|
٦٠٦ ـ قلت لزير لم تصله مريمه (١) |
|
............... |
وياء «الزير» عن واو لأنه من زار يزور فقلبت للكسرة قبلها كالرّيح ، فصار لفظ مريم مشتركا بين اللسانين ، ووزنه عند النحويين مفعل لا فعيل ، قال الزمخشري : «لأن فعيلا بفتح الفاء لم يثبت في الأبنية كما ثبت في نحو : عثير (٢) وعليب» (٣) وقد أثبت بعضهم فعيلا وجعل منه نحو : «ضميد» اسم مكان و «مدين» على القول بأصالة ميمه و «ضهيا» بالقصر وهي المرأة التي لا تحيض ، أو لا ثدي لها ، لأنها مشتقة من ضاهأت أي شابهت ، لأنها شابهت الرجال في ذلك ، ويجوز مدّها قاله الزجاج. وقال ابن جني : «وأما ضميد وعثير فمصنوعان» فلا دلالة فيهما على ثبوت فعيل ، وصحة الياء في مريم على خلاف القياس ، إذ كان من حقّها الإعلال بنقل حركة الياء إلى الراء ثم قلب الياء ألفا نحو : مباع من البيع ، ولكنه شذّ مزيد ومدين ، وقال أبو البقاء : «ومريم علم أعجمي ولو كان مشتقا من رام يريم لكان مريما بسكون الياء ، وقد جاء في الأعلام بفتح الياء نحو مزيد وهو على خلاف القياس».
قوله : (وَأَيَّدْناهُ) معطوف على قوله : (وَآتَيْنا عِيسَى). وقرأ الجمهور أيّدناه على فعّلناه ، وقرأ مجاهد وابن محيصن ـ ويروى عن أبي عمرو ـ «آيدناه» على : أفعلناه ، والأصل في أأيد بهمزتين ، ثانيتهما ساكنة فوجب إبدال الثانية ألفا نحو : أأمن وبابه ، وصححت العين وهي الياء كما صحّت في «أغيلت» و «أغيمت» ، وهو تصحيح شاذّ إلا في فعل التعجب نحو : ما أبين وأطول ، وحكي عن أبي زيد أن تصحيح «أغيلت» مقيس. فإن قيل : لم لا أعلّ آيدناه كما أعلّ نحو : أبعناه حتى لا يلزم حمله على الشاذ؟ فالجواب أنه لو أعلّ بأن ألقيت حركة العين على الفاء فيلتقي ساكنان العين واللام فتحذف العين لالتقاء الساكنين ، فتجتمع همزتان مفتوحتان فيجب قلب الثانية واوا نحو «أوادم» ، فتتحرّك الواو بعد فتحة فتقلب ألفا فيصير اللفظ : أادناه ، لأدّى ذلك إلى إعلال الفاء والعين ، فلمّا كان إعلاله يؤدّي إلى ذلك رفض بخلاف أبعناه وأقمناه ، فإنه ليس فيه إلا إعلال العين فقط. قال أبو البقاء : «فإن قلت : فلم لم تحذف الياء التي هي عين كما حذفت من نحو : أسلناه من سال يسال؟ قيل : لو فعلوا ذلك لتوالى إعلالان : أحدهما قلب الهمزة الثانية ألفا ثم حذف الألف المبدلة من الياء لسكونها وسكون الألف قبلها ، فكان يصير اللفظ آدناه فكانت تحذف الفاء والعين وليس «أسلناه» كذلك ، لأنّ هناك حذف العين وحدها. وقال الزمخشري في المائدة : «آيدتك على أفعلتك» وقال ابن عطية : «على فاعلتك» ثم قال : «ويظهر أن الأصل في القراءتين : أفعلتك ثم اختلف الإعلال». انتهى.
والذي يظهر أن «أيّد» فعّل لمجيء مضارعه على يؤيّد بالتشديد ، ولو كان أيّد بالتشديد بزنة أفعل لكان مضارعه يؤيد كيؤمن من آمن ، وأمّا آيد ـ يعني بالمدّ ـ فيحتاج في نقل مضارعه إلى سماع ، فإن سمع يؤايد كيقاتل فهو فاعل ، فإن سمع يؤيد كيكرم فآيد أفعل ، ذكر ذلك جميعه الشيخ في المائدة (٤). ثم قال : «إنه لم يظهر كلام ابن عطية في قوله : «اختلف الإعلال» وهو صحيح ، إلّا أنّ قوله «الذي يظهر أن أيّد في قراءة الجمهور فعّل لا أفعل إلى آخره» فيه
__________________
(١) انظر ديوانه (١٤٩) ، الكشاف (٤ / ٥١٦).
(٢) العثير والعثيرة : العجاج الساطع ، أو الغبار ، أو التراب اللسان : عثر.
(٣) عليب ، وعليب : واد معروف على طريق اليمن ، وقيل : موضع. وليس في كلام العرب فعيل غير هذا قال الزمخشري ـ فيما حكاه عن العمراني ـ : أظن أن قوما كانوا في هذا الموضع نزولا فقال بعضهم لأبيه : عل يا أب ، فسمّي به المكان. وقال المرزوقي : كأنه فعيل من القلب وهو الأثر والوادي لا يخلو من انخفاض وحزن ـ انظر اللسان علب معجم البلدان (٤ / ١٦٦).
(٤) انظر البحر المحيط (٤ / ٥١).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)