قال الشيخ (١) : «والمنقول عن الكوفيين عكس هذا الإعراب ، أي : يكون «إخراجهم» مبتدأ مؤخرا ، و «محرّم» خبر مقدم ، قدّم معه الفصل كما مرّ ، وهو الموافق للقواعد ، وألّا يلزم منه الإخبار بمعرفة عن نكرة من غير ضرورة تدعو إلى ذلك.
التاسع : نقله ابن عطية أيضا عن بعضهم أن «هو» الضمير المقدّر في «محرّم» قدّم وأظهر.
قال الشيخ (٢) : «وهذا ضعيف جدا ، إذ لا ضرورة تدعو إلى انفصال هذا الضمير بعد استتاره وتقديمه ، وأيضا فإنه يلزم خلوّ اسم المفعول من ضمير ، إذ على هذا القول يكون «محرّم» خبرا مقدّما و «إخراجهم» مبتدأ ، ولا يوجد اسم فاعل ولا مفعول خاليا من الضمير إلا إذا رفع الظاهر ، ثم يبقى هذا الضمير لا ندري ما إعرابه؟ إذ لا يجوز أن يكون مبتدأ ولا فاعلا مقدّما» وفي قول الشيخ : «يلزم خلوّه من ضمير» نظر ، إذ هو ضمير مرفوع به فلم يخل منه ، غاية ما فيه أنه انفصل للتقديم ، وقوله : «لا ندري ما إعرابه» قد درى ، وهو الرفع بالفاعلية. قوله : «والفاعل لا يقدم» ممنوع فإنّ الكوفيّ يجيز تقديم الفاعل ، فيحتمل أن يكون هذا القائل يرى ذلك ، ولا شك أنّ هذا قول رديء منكر لا ينبغي أن يجوز مثله في الكلام ، فكيف في القرآن!! فالشيخ معذور ، وعجبت من القاضي أبي محمد كيف يورد هذه الأشياء حاكيا لها ، ولم يعقّبها بنكير.
وهذه الجملة يجوز أن تكون محذوفة من الجمل المذكورة قبلها ، وذلك أنه قد تقدّم ذكر أربعة أشياء كلّها محرّمة ، وهي قوله : «تقتلون أنفسكم ، وتخرجون ، وتظاهرون ، وتفادون ، فيكون التقدير : تقتلون أنفسكم وهو محرّم عليكم قتلها ، وكذلك مع البواقي. ويجوز أن يكون خصّ الإخراج بذكر التحريم وإن كانت كلّها حراما ، لما فيه من معرّة الجلاء والنفي الذي لا ينقطع شرّه إلا بالموت والقتل ، وإن كان أعظم منه إلا أنّ فيه قطعا للشرّ ، فالإخراج من الديار أصعب الأربعة بهذا الاعتبار.
والمحرّم : الممنوع ، فإنّ الحرام هو المنع من كذا. والحرام : الشيء الممنوع منه يقال : حرام عليك وحرم عليك ، وسيأتي تحقيقه في الأنبياء.
قوله : «فما جزاء من يفعل» : «ما» يجوز فيها وجهان ، أحدهما أن تكون نافية و «جزاء» مبتدأ ، و «إلّا خزي» «خبره» وهو استثناء مفرغ ، وبطل عمل «ما» عند الحجازيين لانتقاض النفي ب إلّا ، وفي ذلك خلاف طويل وتفصيل منتشر ، وتلخيصه أنّ خبرها الواقع بعد «إلّا» : جمهور البصريين على وجوب رفعه مطلقا ، سواء كان هو الأول أو منزّلا منزلته أو صفة أو لم يكن ، ويتأوّلون قوله :
|
٦٠١ ـ وما الدهر إلّا منجنونا بأهله |
|
وما صاحب الحاجات إلّا معذّبا (٣) |
على أنّ الناصب لمنجنونا ومعذبا محذوف ، أي : يدور دوران منجنون ، ويعذّب معذّبا تعذيبا. وأجاز يونس النصب مطلقا ، وإن كان النحاس نقل عدم الخلاف في رفع «ما زيد إلا أخوك» ، فإن كان الثاني منزّلا منزلة الأول نحو : «ما أنت إلا عمامتك تحسينا وإلّا رداءك ترتيبا» فأجاز الكوفيون نصبه ، وإن كان صفة نحو : ما زيد إلا قائم
__________________
(١) انظر البحر المحيط (١ / ٢٩٢).
(٢) انظر المصدر السابق.
(٣) البيت لأحد بني سعد انظر التصريح (١ / ١٩٧) ، الأشموني (١ / ٢٤٨) ، الخزانة (٢ / ١٢٩) ، الدرر (١ / ٩٤).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)