الزمخشري هذا الوجه الرابع بقراءة عبد الله : «لا تعبدوا» على النهي.
الخامس : أن يكون في محلّ نصب بالقول المحذوف ، وذلك القول حال تقديره : قائلين لهم لا تعبدون إلا الله ، ويكون خبرا في معنى النهي ويؤيّده قراءة أبيّ المتقدمة ، وبهذا يتّضح عطف «وقولوا» عليه ، وبه قال الفراء.
السادس : أنّ «أن» الناصبة مضمرة كما تقدّم ، ولكنها هي وما في حيّزها في محلّ نصب على أنها بدل من «ميثاق» ، وهذا قريب من القول الأول من حيث إنّ هذه الجملة مفسّرة للميثاق ، وفيه النظر المتقدم ، أعني حذف «أن» في غير المواضع المقيسة.
السابع : أن يكون منصوبا بقول محذوف ، وذلك القول ليس حالا ، بل مجرّد إخبار ، والتقدير : وقلنا لهم ذلك ، ويكون خبرا في معنى النهي. قال الزمخشري : «كما تقول : تذهب إلى فلان تقول له كذا ، تريد الأمر ، وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي ، لأنّه كأنه سورع إلى الامتثال والانتهاء فهو يخبر عنه ، وتنصره قراءة أبي وعبد الله : «لا تعبدوا» ولا بدّ من إرادة القول». انتهى ، وهو كلام حسن جدا.
الثامن : أن يكون التقدير : أن لا تعبدون ، وهي «أن» المفسّرة ، لأنّ في قوله : «أخذنا ميثاق بني إسرائيل» إيهاما كما تقدّم ، وفيه معنى القول ، ثم حذفت «أن» المفسّرة ، ذكره الزمخشري. وفي ادّعاء حذف حرف التفسير نظر لا يخفى.
وقوله : (إِلَّا اللهَ) استثناء مفرغ ، لأنّ ما قبله مفتقر إليه وقد تقدّم تحقيقه أولا. وفيه التفات من التكلّم إلى الغيبة ، إذ لو جرى الكلام على نسقه لقيل : لا تعبدون إلا إيانا ، لقوله «أخذنا». وفي هذا الالتفات من الدلالة على عظم هذا الاسم والتفرّد به ما ليس في المضمر ، وأيضا الأسماء الواقعة ظاهرة فناسب أن يجاور الظاهر الظاهر.
قوله : (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) فيه خمسة أوجه :
أحدها : أن تتعلّق الباء ب «إحسانا» ، على أنّه مصدر واقع موقع فعل الأمر ، والتقدير : وأحسنوا بالوالدين ، والباء ترادف «إلى» في هذا المعنى ، تقول : أحسنت به وإليه ، بمعنى أن يكون على هذا الوجه ثمّ مضاف محذوف ، أي : وأحسنوا برّ الوالدين بمعنى : أحسنوا إليهما برّهما. قال ابن عطية : «يعترض هذا القول أن يتقدّم على المصدر معموله» وهذا الذي جعله ابن عطية اعتراضا على هذا القول لا يتمّ على مذهب الجمهور ، فإنّ مذهبهم جواز تقديم معمول المصدر النائب عن فعل الأمر عليه ، تقول : ضربا زيدا ، وإن شئت : زيدا ضربا ، وسواء عندهم إن جعلنا العمل للفعل المقدّر أم للمصدر النائب عن فعله فإنّ التقديم عندهم جائز ، وإنما يمتنع تقديم معمول المصدر المنحل لحرف مصدري والفعل ، كما تقدّم بيانه آنفا ، وإنما يتمّ على مذهب أبي الحسن ، فإنه يمنع تقديم معمول المصدر النائب عن الفعل ، وخالف الجمهور في ذلك.
الثاني : أنها متعلقة بمحذوف ، وذلك المحذوف يجوز أن يقدّر فعل أمر مراعاة لقوله : «لا تعبدون» فإنه في معنى النهي كما تقدّم ، كأنه قال : لا تعبدوا إلا الله وأحسنوا بالوالدين. ويجوز أن يقدّر خبرا مراعاة للفظ «لا تعبدون» والتقدير : وتحسنون. وبهذين الاحتمالين قدّر الزمخشري ، وينتصب «إحسانا» حينئذ على المصدر المؤكّد لذلك الفعل المحذوف. وفيه نظر من حيث إنّ حذف عامل المؤكّد منصوص على عدم جوازه ، وفيه بحث ليس هذا موضعه.
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)