بالاستقرار الذي تضمّنه قوله «من عند الله».
قوله : (مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ) متعلّق بويل أو بالاستقرار في الخبر ، و «من» للتعليل ، و «ما» موصولة اسمية والعائد محذوف ، ويجوز أن تكون نكرة موصوفة وليس كقوة الأول والعائد أيضا محذوف أي : كتبته ، ويجوز أن تكون مصدرية أي : من كتبهم ، و (وَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) مثل ما تقدّم قبله ، وإنما كرّر «الويل» ليفيد أنّ الهلكة متعلقة بكلّ واحد من الفعلين على حدته لا بمجموع الأمرين ، وإنّما قدّم قوله : «كتبت» على «يكسبون» لأن الكتابة مقدّمة فنتيجتها كسب المال ، فالكتب سبب والكسب مسبّب ، فجاء النّظم على هذا.
قوله تعالى : (إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً) .. هذا استثناء مفرّغ ، فأيّاما منصوب على الظرف بالفعل قبله ، والتقدير : لن تمسّنا النار أبدا إلا أياما قلائل يحصرها العدّ ، لأن العدّ يحصر القليل ، وأصل أيّام : أيوام لأنه جمع يوم ، نحو : قوم وأقوام ، فاجتمع الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فوجب قلب الواو ياء وإدغام الياء في الياء ، مثل هيّن وميّت.
قوله : (أَتَّخَذْتُمْ) الهمزة للاستفهام ، ومعناه الإنكار والتقريع ، وبها استغني عن همزة الوصل الداخلة على «اتّخذتم» كقوله : (أَفْتَرى عَلَى اللهِ)(١) ، (أَصْطَفَى)(٢) وبابه. وقد تقدّم القول في تصريف (أَتَّخَذْتُمْ) وخلاف أبي علي فيها. ويحتمل أن تكون هنا متعدية لواحد. قال أبو البقاء : «وهو بمعنى جعلتم المتعدية لواحد» ، ولا حاجة إلى جعلها بمعنى «جعل» في تعدّيها لواحد ، بل المعنى : هل أخذتم من الله عهدا ، ويحتمل أن تتعدّى لاثنين ، والأول «عهد» ، والثاني «عند الله» مقدّما عليه ، فعلى الأول يتعلّق «عند الله» باتّخذتم ، وعلى الثاني يتعلّق بمحذوف. ويجوز نقل حركة همزة الاستفهام إلى لام «قل» قبلها فتفتح وتحذف الهمزة وهي لغة مطّردة قرأ بها نافع في رواية ورش عنه.
قوله : (فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ) هذا جواب الاستفهام المتقدّم في قوله : «أتّخذتم» وهل هذا بطريق تضمين الاستفهام معنى الشرط ، أو بطريق إضمار الشرط بعد الاستفهام وأخواته؟ قولان ، تقدّم تحقيقهما. واختار الزمخشري القول الثاني ، فإنه قال : «فلن يخلف» متعلّق بمحذوف تقديره : «إن اتّخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده». وقال ابن عطية : «فلن يخلف الله عهده» : اعتراض بين أثناء الكلام. كأنه يعني بذلك أنّ قوله : «أم تقولون» معادل لقوله : «أتّخذتم» فوقعت هذه الجملة بين المتعادلين معترضة ، والتقدير : أيّ هذين واقع؟ اتّخاذكم العهد أم قولكم بغير علم ، فعلى هذا لا محلّ لها من الإعراب ، وعلى الأول محلّها الجزم.
قوله : (أَمْ تَقُولُونَ) «أم» هذه يجوز فيها وجهان :
أحدهما : أن تكون متصلة فتكون للمعادلة بين الشيئين ، أي : أيّ هذين واقع ، وأخرجه مخرج المتردّد فيه ، وإن كان قد عالم وقوع أحدهما ، وهو قولههم على الله ما لا يعلمون للتقرير ، ونظيره : (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)(٣) وقد علم أيّهما على هدى وأيّهما في ضلال ، وقد عرفت شروط المتصلة أول السورة. ويجوز أن تكون منقطعة ، فتكون غير عاطفة ، وتقدّر ب بل والهمزة والتقدير : بل أتقولون ، ويكون الاستفهام للإنكار لأنه قد وقع
__________________
(١) سورة سبأ ، آية (٨).
(٢) سورة الصافات ، آية (١٥٣).
(٣) سورة سبأ ، آية (٢٤).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)