قوله : (مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ) متعلّق ب «يحرّفونه». والتحريف : الإمالة والتحويل ، و «ثم» للتراخي : إمّا في الزمان أو في الرتبة ، و «ما» يجوز أن تكون موصولة اسمية أي : ثم يحرّفون الكلام من بعد المعنى الذي فهموه وعرفوه. ويجوز أن تكون مصدرية والضمير في «عقلوه» يعود حينئذ على الكلام ، أي من بعد تعقّلهم إياه. قوله : (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) جملة حالية ، وفي العامل فيها قولان :
أحدهما : «عقلوه» ، ولكن يلزم منه أن تكون حالا مؤكدة ، لأنّ معناها قد فهم من قوله «عقلوه».
والثاني : وهو الظاهر ، أنه يحرّفونه ، أي يحرّفونه حال علمهم بذلك.
قوله تعالى : (وَإِذا لَقُوا) .. الآية ، قد تقدّم نظيرها أول السورة (١) ، وقد تقدّم الكلام على مفرداتها وإعرابها ، فأغنى ذلك عن الإعادة.
وهذه الجملة الشرطية تحتمل وجهين :
أحدهما : أن تكون مستأنفة كاشفة عن أحوال اليهود والمنافقين.
والثاني : أن تكون في محلّ نصب على الحال معطوفة على الجملة الحالية قبلها وهي : «وقد كان فريق» والتقدير : كيف تطمعون في إيمانهم وحالهم كيت وكيت؟ وقرأ ابن السّميفع : لاقوا ، وهو بمعنى لقوا ، فاعل بمعنى فعل نحو : سافر وطارقت النعل.
قوله : (بِما فَتَحَ اللهُ) متعلّق بالتحديث قبله ، وما موصولة بمعنى الذي والعائد محذوف أي : فتحه الله. وأجاز أبو البقاء أن تكون نكرة موصوفة أو مصدرية ، أي : شيء فتحه ، فالعائد محذوف أيضا ، أو بفتح الله عليكم. وفي جعلها مصدرية إشكال من حيث إن الضمير في قوله بعد ذلك : (لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ) عائد على «ما» هذا هو الظاهر ، وما المصدرية حرف لا يعود عليها ضمير على المشهور خلافا للأخفش وأبي بكر بن السراج (٢) ، إلا أن يتكلّف فيقال : الضمير يعود على المصدر المفهوم من قوله : «أتحدّثونهم» أو من قوله فتح ، أي : ليحاجّوكم بالتحديث الذي حدّثتموهم ، أو بالفتح الذي فتحه الله عليكم. والجملة من قوله : «أتحدّثونهم» في محلّ نصب بالقول ، والفتح هنا معناه الحكم والقضاء ، وقيل : الفتّاح : القاضي بلغة اليمن ، وقيل الإنزال. وقيل : الإعلام أو التبيين بمعنى أنه بيّن لكم صفة محمد عليهالسلام ، أو المنّ بمعنى ما منّ عليكم به من نصركم على عدوّكم ، وكلّ هذه أقوال مذكورة في التفسير.
قوله : (لِيُحَاجُّوكُمْ) هذه اللام تسمّى لام كي بمعنى أنها للتعليل ، كما أنّ «كي» كذلك ، لا بمعنى أنها تنصب ما بعدها بإضمار ب «كي» كما سيأتي ، وهي حرف جرّ ، وإنما دخلت على الفعل لأنه منصوب بأن المصدرية مقدرة بعدها ، فهو معها بتأويل المصدر أي للمحاجّة ، فلم تدخل إلا على اسم لكنه غير صريح. والنصب بأن المضمرة كما تقدّم لا بكي خلافا لابن كيسان والسيرافي (٣) وإن ظهرت بعدها نحو قوله تعالى : (لِكَيْلا تَأْسَوْا)(٤) لأن
__________________
(١) سورة البقرة ، آية (١٤).
(٢) تقدمت ترجمته.
(٣) الحسن بن عبد الله بن المرزبان القاضي أبو سعيد السيرافي النحوي شيخ الشيوخ وإمام الأئمة صاحب شرح الكتاب لم يسبق إلى مثله توفي ثاني رجب سنة ثمان وستين وثلاثمائة البغية (١ / ٥٠٨).
(٤) سورة الحديد ، آية (٢٣).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)