«أن» هي أمّ الباب ، فادّعاء إضمارها أولى من غيرها. وقال الكوفيون : «النصب باللام نفسها ، وأنّ ما يظهر بعدها من كي وأن إنما هو على سبيل التأكيد» ، وللاحتجاج موضع غير هذا من كتب النحو. ويجوز إضمار أن وإظهارها بعد هذه اللام إلّا في صورة واحدة وهي ما إذا وقع بعدها «لا» نحو قوله : (لِئَلَّا يَعْلَمَ)(١) ، (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ)(٢) ، وذلك لما يلزم من توالي لامين فيثقل اللفظ. والمشهور في لغة العرب كسر هذه اللام لأنها حرف جر وفيها لغيّة شاذّة وهي الفتح. وهذه اللام متعلقة بقوله : «أتحدّثونهم». وذهب بعضهم إلى أنّها متعلقة ب «فتح» ، وليس بظاهر ، لأنّ المحاجّة ليست علة للفتح ، وإنما هي نشأت عن التحديث ، اللهم إلا أن يقال : تتعلّق به على أنها لام العاقبة ، وهو قول قيل به فصار المعنى أنّ عاقبة الفتح ومآلة صار إلى أن حاجّوكم ، أو تقول : إنّ اللام لام العلّة على بابها ، وإنما تعلّقت بفتح لأنه سبب للتحديث ، والسّبب والمسبّب في هذا واحد. قوله : «به» الضمير يعود على «ما» من قوله : «بما فتح الله» وقد تقدّم أنه يضعف القول بكونها مصدرية ، وأنه يجوز أن يعود على أحد المصدرين المفهومين من «أتحدّثونهم» و «فتح».
قوله : (عِنْدَ رَبِّكُمْ) ظرف معمول لقوله : «ليحاجّوكم» بمعنى ليحاجّوكم يوم القيامة ، فكنى عنه بقوله : «عند ربكم» ، وقيل : «عند» بمعنى في ، أي : ليحاجّوكم في ربكم ، أي : فيكونون أحقّ به منكم. وقيل : ثمّ مضاف محذوف أي : عند ذكر ربّكم ، وقيل : هو معمول لقوله : «بما فتح الله» أي بما فتح الله من ربكم ليحاجّوكم ، وهو نعته عليهالسلام وأخذ ميثاقهم بتصديقه. ورجّحه بعضهم وقال : «هو الصحيح ، لأنّ الاحتجاج عليهم هو بما كان في الدنيا» وفي هذا نظر من جهة الصناعة ، وذلك أنّ «ليحاجّوكم» متعلق بقوله : «أتحدّثونهم» على الأظهر كما تقدّم فيلزم الفصل به بين العامل ـ وهو فتح ـ وبين معموله ـ وهو عند ربك ـ وذلك لا يجوز لأنه أجنبيّ منهما.
قوله : (أَفَلا تَعْقِلُونَ) تقدّم الكلام على نظيرتها (٣). وفي هذه الجملة قولان :
أحدهما [أنها] مندرجة في حيّز القول.
والثاني أنها من خطاب الله تعالى للمؤمنين بذلك فمحلّها النصب على الأول ولا محلّ لها على الثاني ، ومفعول «تعقلون» يجوز أن يكون مرادا ويجوز ألّا يكون.
قوله تعالى : (أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ) .. تقدّم أنّ مذهب الجمهور أنّ النية بالواو التقديم على الهمزة لأنّها عاطفة ، وإنما أخّرت عنها لقوة همزة الاستفهام ، وأنّ مذهب الزمخشري تقدير فعل بعد الهمزة ، ولا للنفي. و «أنّ الله يعلم» يجوز أن تكون في محلّ نصب ، وفيها حينئذ تقديران ، أحدهما أنّها سادّة مسدّ مفرد إن جعلنا علم بمعنى عرف.
والثاني : أنها سادة مسدّ مفعولين إن جعلناها متعدية لاثنين كظننت ، وقد تقدّم أنّ هذا مذهب سيبويه والجمهور ، وأنّ الأخفش يدّعي أنها سدّت مسدّ الأول والثاني محذوف ، و «ما» يجوز أن تكون بمعنى الذي وعائدها محذوف ، أي : ما يسرّونه ويعلنونه ، وأن تكون مصدرية أي : يعلم سرهم وعلنهم ، والسرّ والعلانية متقابلان.
__________________
(١) سورة الحديد ، آية (٢٩).
(٢) سورة البقرة ، آية (١٥٠).
(٣) سورة البقرة ، آية (٤٤).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)