الأصل يقتضي ذلك ، والضمير في «منه» يعود على «ما» حملا على اللفظ ، قال أبو البقاء : «ولو كان في غير القرآن لجاز «منها» على المعنى» قلت : هذا الذي قد قرأ به أبي بن كعب والضحاك. وقرأ مالك بن دينار (١) : «ينفجر» من الانفجار. وقرأ قتادة : «وإن من الحجارة» بتخفيف إن من الثقيلة وأتى باللام فارقة بينها وبين «إن» النافية ، وكذلك «وإن منها لما يشقّق ـ وإن منها لما يهبط» وهذه القراءة تحتمل أن تكون «ما» فيها في محل رفع وهو المشهور ، وأن تكون في محلّ نصب لأنّ «إن» المخففة سمع فيها الإعمال والإهمال ، قال تعالى : (وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ)(٢) في قراءة من قرأه. وقال في موضع آخر : (وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ)(٣) إلّا أنّ المشهور الإهمال. و «يشّقّق» أصله : يتشقّق ، فأدغم ، وبالأصل قرأ الأعمش ، وقرأ طلحة بن مصرف : «لمّا» بتشديد الميم في الموضعين ، قال ابن عطية : «وهي قراءة غير متجهة» وقرأ أيضا : «ينشقّ» بالنون ، وفاعله ضمير «ما» وقال أبو البقاء : «ويجوز أن يكون فاعله ضمير الماء لأنّ «يشّقّق» يجوز أن يجعل للماء على المعنى ، فيكون معك فعلان ، فيعمل الثاني منهما في الماء ، وفاعل الأول مضمر على شريطة التفسير ، وعند الكوفيين يعمل الأول فيكون في الثاني ضمير» يعني أنه من باب التنازع ، ولا بد من حذف عائد من «يشّقّق» على «ما» الموصولة دلّ عليه قوله «منه» والتقدير : وإنّ من الحجارة لما يشّقّق الماء منه فيخرج الماء منه. وقال أيضا : «ولو قرئ «تتفجّر» بالتاء جاز» قلت : قال أبو حاتم يجوز «لما تتفجّر» بالتاء لأنه أنّثه بتأنيث الأنهار ، وهذا لا يكون في تشّقّق يعني التأنيث. قال النحاس : «يجوز ما أنكره على المعنى ، لأنّ المعنى : وإنّ منها لحجارة تتشقّق» يعني فيراعي به معنى «ما» فإنّها واقعة على الحجارة.
قوله : (مِنْ خَشْيَةِ اللهِ) منصوب المحلّ متعلق ب «يهبط». و «من» للتعليل ، وقال أبو البقاء : «من» في موضع نصب بيهبط ، كما تقول : «يهبط بخشية الله» ، فجعلها بمعنى الباء المعدّية ، وهذا فيه نظر لا يخفى. وخشية مصدر مضاف للمفعول تقديره : من أن يخشى الله.
وإسناد الهبوط إليها استعارة ، كقوله :
|
٥٥٦ ـ لمّا أتى خبر الزّبير تواضعت |
|
سور المدينة والجبال الخشّع (٤) |
ويجوز أن يكون حقيقة على معنى أنّ الله خلق فيها قابلية لذلك. وقيل : الضمير في «منها» يعود على القلوب وفيه بعد لتنافر الضمائر.
قوله : (وَمَا اللهُ بِغافِلٍ) قد تقدّم في قوله : (وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ)(٥) فليلتفت إليه.
قوله : (عَمَّا تَعْمَلُونَ) بغافل ، و «ما» موصولة اسمية ، فلا بد من عائد أي : تعملونه ، أو مصدرية فلا يحتاج إليه ، أي عن عملكم ، ويجوز أن يكون واقعا موقع المفعول به ، ويجوز ألّا يكون. وقرئ «يعملون» بالياء والتاء.
__________________
(١) مالك بن دينار البصري أبو يحيى من رواة الحديث كان ورعا يأكل من كسبه توفي بالبصرة سنة ١٣١ ه ، وفيات الأعيان (١ / ٤٤٠) ، حلية الأولياء (٢ / ٣٥٧) ، الأعلام (٥ / ٢٦٠ ـ ٢٦١).
(٢) سورة هود ، آية (١١١).
(٣) سورة يس ، آية (٣٢).
(٤) البيت لجرير انظر ديوانه (٢٤٥) ، الخصائص (٢ / ٤١٨) ، الكامل (٤٨٦) ، رصف المباني (١٦٩) ، الأضداد (٢٩٦) ، اللسان «سور».
(٥) سورة البقرة ، آية (٨).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)