يجعلكم مبصرين آياته». و «كم» هو المفعول الأول ، وأصل يريكم : يأرإيكم ، فحذفت همزة أفعل في المضارعة لما تقدّم في «يؤمنون» وبابه ، فبقي يرئيكم ، فنقلت حركة الهمزة على الراء ، وحذفت الهمزة تخفيفا ، وهو نقل لازم في مادة «رأى» وبابه دون غيره ممّا عينه همزة نحو : نأى ينأى ، ولا يجوز عدم النقل في رأى وبابه إلا ضرورة كقوله :
|
٥٥٤ ـ أري عينيّ ما لم ترأياه |
|
كلانا عالم بالتّرّهات (١) |
قوله تعالى : (أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) : «أو» هذه ك «أو» في قوله : (أَوْ كَصَيِّبٍ)(٢) فكلّ ما قيل فيه ثمّة يمكن القول به هنا ، ولمّا قال أبو الأسود :
|
٥٥٥ ـ أحبّ محمدا حبّا شديدا |
|
وعبّاسا وحمزة أو عليّا (٣) |
اعترضوا عليه في قوله «أو» التي تقتضي الشكّ ، وقالوا له : أشككت؟ فقال : كلّا ، واستدلّ بقوله تعالى : (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ)(٤) وقال : أو كان شاكّا من أخبر بهذا؟ وإنما قصد ـ رحمهالله ـ الإبهام على المخاطب. و «أشدّ» مرفوع لعطفه على محلّ «كالحجارة» أي : فهي مثل الحجارة أو أشدّ. والكاف يجوز أن تكون حرفا فتتعلّق بمحذوف وأن تكون اسما فلا تتعلّق بشيء ، ويجوز أن تكون خبر مبتدأ محذوف أي : أو هي أشدّ. و «قسوة» نصب على التمييز ؛ لأنّ الإبهام حصل في نسبة التفضيل إليها ، والمفضّل عليه محذوف للدلالة عليه أي : أشدّ قسوة من الحجارة.
وقرئ «أشدّ» بالفتح (٥) ، ووجهها أنه عطفها على (كَالْحِجارَةِ) أي : فهي كالحجارة أو كأشدّ منها. قال الزمخشري موجّها للرفع : «وأشدّ معطوف على الكاف : إمّا على معنى : أو مثل أشدّ فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، وتعضده قراءة الأعمش بنصب الدال عطفا على الحجارة». ويجوز على ما قاله أن يكون مجرورا بالمضاف المحذوف ترك على حاله ، كقراءة : (وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ)(٦) بجرّ الآخرة ، أي : ثواب الآخرة ، فيحصل من هذا أنّ فتحة الدال يحتمل أن تكون للنصب وأن تكون للجرّ. قال الزمخشري أيضا : «فإن قلت : لم قيل «أشدّ قسوة» وفعل القسوة ممّا يخرج منه أفعل التفضيل وفعل التعجب؟ ـ يعني أنه مستكمل للشروط من كونه ثلاثيا تاما غير لون ولا عاهة متصرفا غير ملازم للنفي ـ ثم قال : «قلت : لكونه أبين وأدلّ على فرط القسوة ، ووجه آخر وهو أنه لا يقصد معنى الأقسى ، ولكنه قصد وصف القسوة بالشدة ، كأنه قيل : اشتدّت قسوة الحجارة وقلوبهم أشدّ قسوة» وهذا كلام حسن جدا ، إلا أنّ كون القسوة يجوز بناء التعجب منها فيه نظر من حيث إنّها من الأمور الخلقيّة أو من العيوب ، وكلاهما ممنوع منه بناء البابين. وقرئ : قساوة (٧).
قوله : (لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ) اللام لام الابتداء دخلت على اسم «إنّ» ، لتقدّم الخبر وهو «من الحجارة» ، وهي بمعنى الذي في محلّ النّصب ولو لم يتقدّم الخبر لم يجز دخول اللام على الاسم لئلا يتوالى حرفا تأكيد ، وإن كان
__________________
(١) البيت لسراقة البارقي انظر النوادر (١٨٥) ، الخصائص (٣ / ١٥٣) ، المحتسب (١ / ١٢٨) ، اللسان «رأى».
(٢) سورة البقرة ، آية (١٩).
(٣) انظر ديوانه (٧٣) ، الطبري (٢ / ٢٣٥) ، القرطبي (١ / ٤٦٢).
(٤) سورة سبأ ، آية (٢٤).
(٥) انظر البحر المحيط (١ / ٢٦٣).
(٦) سورة الأنفال ، آية (٦٧).
(٧) انظر البحر المحيط (١ / ٢٦٣).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)