أصل بنفسها ، ليست مخففة من ضم ، حكى مكي عن الأخفش عن عيسى بن عمر : «كلّ اسم ثلاثي أوله مضموم يجوز فيه لغتان : التثقيل والتخفيف». و «هزوا» بضمتين مع الواو وصلا ووقفا وهي قراءة حفص عن عاصم ، كأنه أبدل الهمزة واوا تخفيفا ، وهو قياس مطّرد في كلّ همزة مفتوحة مضموم ما قبلها نحو جون في جؤن ، و «السفهاء ولا إنّهم» وحكم «كفئا» في قوله تعالى : «ولم يكن له كفئا أحد» حكم «هزوا» في جميع ما تقدم قراءة وتوجيها. و «هزا» بإلقاء حركة الهمزة على الزاي وحذفها وهو أيضا قياس مطرد ، وهزوا بسكون العين مع الواو ، وهزّا بتشديد الزاي من غير همزة ، ويروى عن أبي جعفر ، وتقدّم معنى الهزء أول السورة.
قوله : (أَعُوذُ بِاللهِ) تقدّم إعرابه في الاستعاذة ، وهذا جواب لاستفهامهم في المعنى كأنه قال : لا أهزأ مستعيذا بالله من ذلك فإنّ الهازئ جاهل. وقوله «أن أكون» أي : من أن أكون ، فيجيء فيه الخلاف المعروف و «من الجاهلين» خبرها ، وهو أبلغ من قولك : «أن أكون جاهلا ، فإنّ المعنى : أن أنتظم في سلك قوم اتّصفوا بالجهل.
(قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ (٦٨) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ)(٦٩)
قوله تعالى : (قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا) .. كقوله : (ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا)(١) وقد تقدّم. وقوله : «ما هي»؟ ما استفهامية في محلّ رفع بالابتداء تقديره : أيّ شيء هي ، و «ما» الاستفهامية يطلب بها شرح الاسم تارة نحو : «ما العنقاء؟ وماهيّة المسمّى أخرى نحو : ما الحركة؟ وقال السكاكي (٢) : «يسأل ب «ما» عن الجنس ، تقول : ما عندك؟ أي : أيّ أجناس الأشياء عندك ، وجوابه : كتاب ونحوه ، أو عن الوصف ، تقول : ما زيد؟ وجوابه : كريم» وهذا هو المراد في الآية. و «هي» ضمير مرفوع منفصل في محلّ رفع خبرا ل «ما» ، والجملة في محلّ نصب بيبيّن ، لأنه معلّق عن الجملة بعده ، وجاز ذلك لأنّه شبيه بأفعال القلوب.
قوله : (لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ) لا نافية و «فارض» صفة لبقرة ، واعترض ب «لا» بين الصفة والموصوف ، نحو : مررت برجل لا طويل ولا قصير. وأجاز أبو البقاء أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف أي : لا هي فارض. وقوله : «ولا بكر» مثل ما تقدّم ، وتكرّرت «لا» لأنها متى وقعت قبل خبر أو نعت أو حال وجب تكريرها ، تقول : زيد لا قائم ولا قاعد ، ومررت به لا ضاحكا ولا باكيا ، ولا يجوز عدم التكرار إلا في ضرورة ، خلافا للمبرد وابن كيسان ، فمن ذلك :
|
٥٣٣ ـ وأنت امرؤ منّا خلقت لغيرنا |
|
حياتك لا نفع وموتك فاجع (٣) |
__________________
(١) سورة البقرة ، آية (٦١).
(٢) يوسف السكاكيّ أبو يعقوب العلامة كان علامة بارعا في فنون شتى خصوصا المعاني والبيان توفي بخوارزم سنة ست وعشرين وستمائة البغية (٢ / ٣٦٤).
(٣) البيت للضحاك بن هنام ، وهو من شواهد الكتاب (١ / ٣٥٨) ، الهمع (١ / ١٤٨) ، الأشموني (٢ / ١٨) ، الدرر (١ / ١٢٩).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)