قوله : (وَمَوْعِظَةً) عطف على «نكالا» وهي مفعلة من الوعظ وهو التخويف ، وقال الخليل : «التذكير بالخير فيما يرقّ له القلب ، والاسم : العظة كالعدة والزنة. و «للمتقين» متعلق بموعظة. واللام للعلة ، وخصّ المتقين بالذّكر ، وإن كانت موعظة لجميع العالم : البرّ والفاجر ، لأن المنتفع بها هم هؤلاء دون من عداهم ، ويجوز أن تكون اللام مقوية ، لأنّ «موعظة» فرع على الفعل في العمل فهو نظير (فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ)(١) ، فلا تعلّق لها لزيادتها ، ويجوز أن تكون متعلقة بمحذوف لأنها صفة لموعظة ، أي : موعظة كائنة للمتقين.
قوله تعالى : (يَأْمُرُكُمْ) .. الجمهور على ضمّ الراء لأنه مضارع معرب مجرّد من ناصب وجازم. وروي عن أبي عمرو سكونها سكونا محضا واختلاس الحركة ، وذلك لتوالي الحركات ، ولأنّ الراء حرف تكرير فكأنها حرفان ، وحركتها حركتان ، وقيل : شبّهها بعضد ، فسكّن أوسطه إجراء للمنفصل مجرى المتصل ، وهذا كما تقدّم في قراءة (بارِئِكُمْ)(٢) وقد تقدّم ذكر من استضعفها من النحويين ، وتقدّم ذكر الأجوبة عنه بما أغنى عن إعادته هنا ، ويجوز في همز «يأمركم» إبداله ألفا وهذا مطّرد. و «يأمركم» هذه الجملة في محلّ رفع خبرا لإنّ ، وإنّ وما في حيّزها في محلّ نصب مفعولا بالقول ، والقول وما في حيّزه في محلّ جرّ بإضافة الظرف إليه ، والظرف معمول لفعل محذوف أي : اذكر.
قوله : (أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) «أن» وما في حيّزها مفعول ثان ليأمركم ، فموضعها يجوز أن يكون نصبا وإن يكون جرّا حسبما مضى من ذكر الخلاف ، لأنّ الأصل على إسقاط حرف الجرّ أي : بأن تذبحوا ، ويجوز أن يوافق الخليل هنا على أنّ موضعها نصب لأنّ هذا الفعل يجوز حذف الباء معه ، ولو لم تكن الباء في «أن» نحو : أمرتك الخير.
والبقرة واحدة البقر ، تقع على الذكر والأنثى نحو حمامة ، والصفة تميّز الذكر من الأنثى ، تقول : بقرة ذكر وبقرة أنثى ، وقيل : بقرة اسم للأنثى خاصة من هذا الجنس مقابلة لثور ، نحو : ناقة وجمل ، وأتان وحمار ، وسمّي هذا الجنس بذلك لأنه يبقر الأرض أي يشقّها بالحرث ، ومنه : بقر بطنه ، والباقر أبو جعفر لشقّه العلم ، والجمع : بقر وباقر وبيقور وبقير.
قوله : (هُزُواً) مفعول ثان ل «أتتّخذنا». وفي وقوع «هزوا» مفعولا ثانيا ثلاثة أقوال.
أحدها : أنه على حذف مضاف أي ذوي هزء.
الثاني : أنه مصدر واقع موقع المفعول به أي مهزوءا بنا.
الثالث : أنهم جعلوا نفس الهزء مبالغة. وهذا أولى ، وقال الزمخشري ـ وبدأ به ـ : «أتجعلنا مكان هزء» وهو قريب من هذا.
وفي «هزوا» قراءات ستّ ، المشهور منها ثلاث : هزؤا بضمتين مع الهمز ، وهزءا بسكون العين مع الهمز وصلا وهي قراءة حمزة رحمهالله ، فإذا وقف أبدلها واوا ، وليس قياس تخفيفها ، وإنما قياسه إلقاء حركتها على الساكن قبلها. وإنما اتّبع رسم المصحف فإنها رسمت فيه واوا ، ولذلك لم يبدلها في «جزءا» واوا وقفا ، لأنها لم ترسم فيه واوا كما سيأتي عن قريب ، وقراءته أصلها الضمّ كقراءة الجماعة إلا أنه خفّف كقولهم في عنق : عنق. وقيل : بل هي
__________________
(١) سورة هود ، آية (١٠٠).
(٢) سورة البقرة ، آية (٥٤).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)