حيث أثبت خبرها بعدها ، هكذا أطلقوا. وبعضهم فصّل فقال : «إن كان خبر ما بعدها كونا مطلقا فالحذف واجب» ، وعليه جاء التنزيل وأكثر الكلام ، وإن كان كونا مقيدا فلا يخلو : إمّا أن يدل عليه دليل أو لا ، فإن لم يدلّ عليه دليل وجب ذكره ، نحو قوله عليهالسلام : «لو لا قومك حديثو عهد بكفر» (١) ، وقول الآخر :
|
٥٢٧ ـ فلو لا بنوها حولها لخبطتها (٢) |
|
............... |
وإن دلّ عليه دليل جاز الذكر والحذف ، نحو : لو لا زيد لغلبنا ، أي شجاع ، وعليه بيت المعري المتقدّم ، وقال أبو البقاء : «ولزم حذف الخبر للعلم به وطول الكلام ، فإن وقعت «أن» بعدها ظهر الخبر» ، كقوله : (فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ)(٣) فالخبر في اللفظ ل «أنّ» وهذا الذي قاله موهم ، ولا تعلّق لخبر «أنّ» بالخبر المحذوف ولا يغني عنه البتة فهو كغيره سواء ، والتقدير : فلو لا كونه مسبّحا حاضر أو موجود ، فأيّ فائدة في ذكره لهذا؟ والخبر يجب حذفه في صور أخرى ، يطول الكتاب بذكرها وتفصيلها ، وإنما تأتي إن شاء الله مفصّلة في مواضعها. وقد تقدّم معنى الفضل عند قوله (فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ)(٤).
قوله : (لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ) اللام جواب لو لا. واعلم أنّ جوابها إن كان مثبتا فالكثير دخول اللام كهذه الآية ونظائرها ، ويقلّ حذفها ، قال :
|
٥٢٨ ـ لو لا الحياء وباقي الدين عبتكما |
|
ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري (٥) |
وإن كان منفيّا فلا يخلو : إمّا أن يكون حرف النفي «ما» أو غيرها ، إن كان غيرها فترك اللام واجب نحو : لو لا زيد لم أقم ، أو لن أقوم ، لئلّا يتوالى لامان ، وإن كان ب «ما» فالكثير الحذف ، ويقلّ الإتيان بها ، وهكذا حكم جواب «لو» الامتناعية ، وقد تقدّم عند قوله : (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ)(٦) ولا محلّ لجوابها من الإعراب. و «من الخاسرين» في محلّ نصب خبرا ل «كان» ، ومن للتبعيض.
(وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ)(٦٧)
قوله تعالى : (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ) : اللام جواب قسم محذوف تقديره : والله لقد ، وهكذا كلّ ما جاء من نظائرها ، و «قد» حرف تحقيق وتوقع ، ويفيد في المضارع التقليل إلا في أفعال الله تعالى فإنّها للتحقيق ، وقد تخرج المضارع إلى المضيّ كقوله :
__________________
(١) أخرجه البخاري (١ / ٤٣) ، ومسلم (٢ / ٩٦٨) ، وذكره ابن كثير في البداية (١ / ٢٦١) ، وفي التفسير (١ / ٢٦١).
(٢) صدر بيت للزبير بن العوام وعجزه :
|
............... |
|
كخبطه عصفور ولم أتلعثم |
انظر المغنى (٥٦٣) العيني (١ / ٥٧١).
(٣) سورة الصافات ، آية (١٤٣).
(٤) سورة البقرة ، آية (٤٧).
(٥) البيت لتميم بن مقبل انظر ديوانه (٧٦) ، رصف المباني (٢٤٢) ، المقرب (١ / ٩٠) ، الهمع (٢ / ٢٧) ، الدرر (٢ / ٨٣) ، البحر (١ / ٢٢٤).
(٦) سورة البقرة ، آية (٢٠).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)