وقيل غير ذلك.
قوله : (أَدْنى) فيه ثلاثة أقوال :
أحدها ـ وهو الظاهر ، وهو قول أبي إسحاق الزجاج ـ أنّ أصله : أدنو من الدّنوّ وهو القرب ، فقلبت الواو ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها ، ومعنى الدنوّ في ذلك فيه وجهان :
أحدهما : أنه أقرب لقلة قيمته وخساسته.
والثاني : أنه أقرب لكم لأنه في الدنيا بخلاف الذي هو خير ، فإنه بالصبر عليه يحصل نفعه في الآخرة.
والثاني ـ قول علي بن سليمان الأخفش (١) ـ : أنّ أصله أدنأ مهموزا من دنأ يدنأ دناءة ، وهو الشيء الخسيس ، إلا أنه خفّف همزة كقوله :
|
٥٠٥ ـ ............... |
|
فارعي فزارة لا هناك المرتع (٢) |
ويدلّ عليه قراءة زهير الفرقبي (٣) : «أدنأ» بالهمز.
الثالث : أنّ أصله أدون من الشيء الدّون أي الرديء ، فقلب بأن أخرت العين إلى موضع اللام فصار : أدنو فأعلّ كما تقدّم ، ووزنه أفلع ، وقد تقدّم معنى الاستبدال وأدنى خبر عن «هو» والجملة صلة وعائد ، وكذلك «هو خير» أيضا صلة وعائد.
قوله : (مِصْراً) قرأه الجمهور منونا ، وهو خطّ المصحف ، فقيل : إنهم أمروا بهبوط مصر من الأمصار فلذلك صرف ، وقيل : أمروا بمصر بعينه وإنما صرف لخفّته ، لسكون وسطه كهند ودعد ، وأنشد :
|
٥٠٦ ـ لم تتلفّع فضل مئزرها |
|
دعد ولم تسق دعد في العلب (٤) |
فجمع بين الأمرين ، أو صرفه ذهابا به إلى المكان ، وقرأ الحسن وغيره : «مصر» (٥) وكذلك هي في بعض مصاحف عثمان ومصحف أبيّ (٦) ، كأنهم عنوا مكانا بعينه. وقال الزمخشري : «إنه معرّب من لسان العجم ، فإن أصله مصرائيم ، فعرّب» ، وعلى هذا إذا قيل بأنه علم لمكان بعينه فلا ينبغي أن يصرف البتة لانضمام العجمة إليه ، فهو نظير «ماه وجور وحمص» ولذلك أجمع الجمهور على منعه في قوله (ادْخُلُوا مِصْرَ)(٧). والمصر في أصل
__________________
(١) علي بن سليمان بن الفضل النحوي أبو الحسن الأخفش الأصغر أحد الثلاثة المشهورين توفي في شعبان سنة خمس عشرة وثلاثمائة. وقيل : ست عشرة ؛ وقد قارب الثمانين البغية (٢ / ١٦٧ ـ ١٦٨).
(٢) عجز بيت للفرزدق وصدره :
|
راحت بمسلمة البغال عشية |
|
............... |
انظر ديوانه (٥٠٨) ، أمالي ابن الشجري (١ / ٨٠) ، الخصائص (٣ / ١٥٢) ، الحجة لأبي علي الفارسي (١ / ٣٠١) ، المحتسب (٢ / ١٧٣) ، الكشاف (٤ / ٤٤٥).
(٣) زهير الفرقيي يعرف بالكسائي النحوي وكان من أئمة القراء ، انظر غاية النهاية (١ / ٢٩٥).
(٤) البيت لجرير انظر ديوانه ، وهو من شواهد الكتاب (٢ / ٢٢) ، الخصائص (٣ / ٦١) ، القرطبي (١ / ٤٢٩).
(٥) بلا تنوين.
(٦) أبيّ بن كعب بن قيس بن عبيد من بني النجار من الخزرج أبو المنذر صحابي أنصاري توفي سنة ٢١ ه ، غاية النهاية (١ / ٣١) ، حلية الأولياء (١ / ٢٥٠) ، الأعلام (١ / ٨٢).
(٧) سورة يوسف ، آية (٩٩).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)