قوله : (كُلُّ أُناسٍ) قد تقدّم الكلام على أنه أصل الناس. وقال الزمخشري في سورة الأعراف (١) : إنه اسم جمع غير تكسير ، ثم قال : «ويجوز أن يكون الأصل الكسر ، والتكسير والضمة بدل من الكسرة ، كما أبدلت في سكارى من الفتحة وسيأتي تحرير البحث معه إن شاء الله تعالى في السورة المذكورة».
قوله : (مَشْرَبَهُمْ) مفعول ل «علم» بمعنى عرف ، والمشرب هنا موضع الشّرب ؛ لأنه روي أنه كان لكلّ سبط عين من اثنتي عشرة عينا لا يشركه فيها سبط غيره. وقيل : هو نفس المشروب. فيكون مصدرا واقعا موقع المفعول به.
قوله : (كُلُوا وَاشْرَبُوا) هاتان الجملتان في محلّ نصب بقول مضمر ، تقديره : وقلنا لهم كلوا واشربوا ، وقد تقدّم تصريف «كل» وما حذف منه.
قوله : (مِنْ رِزْقِ اللهِ) هذه من باب الإعمال لأنّ كلّ واحد من الفعلين يصح تسلّطه عليه ، وهو من باب إعمال الثاني للحذف من الأول ، والتقدير : وكلوا منه.
و «من» يجوز أن تكون لابتداء الغاية وأن تكون للتبعيض ، ويجوز أن يكون مفعول الأكل محذوفا ، وكذلك مفعول الشّرب ، للدلالة عليهما ، والتقدير : كلوا المنّ والسّلوى ، لتقدّمهما في قوله : (وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى)(٢) واشربوا ماء العيون المتفجرة ، وعلى هذا فالجارّ والمجرور يحتمل تعلّقه بالفعل قبله ، ويحتمل أن يكون حالا من ذلك المفعول المحذوف ، فيتعلّق بمحذوف. وقيل : المراد بالرزق الماء وحده ، ونسب الأكل إليه لمّا كان سببا في نماء ما يؤكل وحياته فهو رزق يؤكل منه ويشرب ، والمراد بالرزق المرزوق ، وهو يحتمل أن يكون من باب ذبح ورعي. وأن يكون من باب «درهم ضرب الأمير» ، وقد تقدّم بيان ذلك.
قوله : (وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) أصل «تعثوا» : تعثيوا ، فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت فالتقى ساكنان فحذف الأول منهما وهو الياء ، أو لمّا تحرّكت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا ، فالتقى ساكنان فحذفت الألف وبقيت الفتحة تدلّ عليها وهذا أولى ، فوزنه تفعون. والعثيّ والعيث : أشدّ الفساد وهما متقاربان. وقال بعضهم : «إلّا أنّ العيث أكثر ما يقال فيما يدرك حسّا ، والعثيّ فيما يدرك حكما ، يقال : عثى يعثى عثيّا وهي لغة القرآن ، وعثا يعثو عثوّا وعاث يعيث عثيّا ، وليس عاث مقلوبا من عثى كجبذ وجذب لتفاوت معنييهما كما تقدّم ، ويحتمل ذلك ، ثم اختصّ كل واحد بنوع. ويقال : عثي يعثى عثيّا ومعاثا ، وليس عثي أصله عثو ، فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها كرضي من الرّضوان لثبوت العثيّ وإن توهّم بعضهم ذلك. وعثا كما تقدّم ، ويقال : عثّ يعثّ مضاعفا أي فسد ، ومنه : العثّة سوسة تفسد الصوف ، وأمّا «عتا» بالتاء المثنّاة فهو قريب من معناه وسيأتي الكلام عليه.
و «مفسدين» حال من فاعل «تعثوا» ، وهي حال مؤكّدة ، لأنّ معناها قد فهم من عاملها ، وحسّن ذلك اختلاف اللفظين ، ومثله : (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ)(٣) ، هكذا قالوا ، ويحتمل أن تكون حالا مبيّنة ، لأنّ الفساد أعمّ والعثيّ أخصّ كما تقدّم ، ولهذا قال الزمخشري : «فقيل لهم : لا تتمادوا في الفساد في حال فسادكم» ، لأنهم كانوا متمادين فيه ، فغاير بينهما كما ترى.
__________________
(١) آية (٨٢).
(٢) سورة البقرة ، آية (٥٧).
(٣) سورة التوبة ، آية (٢٥).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)