وقرأ ابن عباس «جهرة» بفتح الهاء وفيها قولان ، أحدهما : أنها لغة في جهرة ، قال ابن عطية : «وهي لغة مسموعة عند البصريين فيما فيه حرف الحلق ساكن قد انفتح ما قبله ، والكوفيون يجيزون فيه الفتح وإن لم يسمعوه» ، وقد تقدّم تحرير القول في ذلك. والثاني : أنها جمع «جاهر» ، نحو : خادم وخدم والمعنى : حتى نرى الله كاشفين هذا الأمر ، وهي تؤيّد كون «جهرة» حالا من فاعل «نرى».
والجهر : ضدّ السّرّ وهو الكشف والظهور ، ومنه جهر بالقراءة أي : أظهرها ، قال الزمخشري : «كأنّ الذي يرى بالعين جاهر بالرؤية ، والذي يرى بالقلب مخافت بها».
قوله تعالى : (وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ) : تقديره : وجعلنا الغمام يظلّلكم ، قال أبو البقاء : «ولا يكون كقولك : «ظلّلت زيدا يظلّ» لأن ذلك يقتضي أن يكون الغمام مستورا بظلّ آخر» وقيل : التقدير : بالغمام ، وهذا تفسير معنى لا إعراب ، لأنّ حذف حرف الجرّ لا ينقاس.
والغمام : السّحاب لأنه يغمّ وجه السماء ، أي يسترها ، وكلّ مستور مغموم أي مغطّى ، وقيل : الغمام : السحاب الأبيض خاصة ، ومثله الغيم والغين بالميم والنون ، وفي الحديث «إنه ليغان على قلبي» (١) ، وواحدته غمامة فهو اسم جنس.
والمنّ قيل : هو التّرّنجبين والطّرّنجبين بالتاء والطاء ، وقيل : هو مصدر يعني به جميع ما منّ الله تعالى به على بني إسرائيل من النّعم ، وكذلك قيل في السّلوى ، إنها مصدر أيضا ، أي : إنّ لهم بذلك التّسلّي ، نقله الراغب ، والمنّ أيضا مقدار يوزن به ، وهذا يجوز إبدال نونه الأخيرة حرف علة ، فيقال : «منا» مثل عصا ، وتثنيته منوان ، وجمعه أمناء. والسّلوى المشهور أنها السّماني بتخفيف الميم. طائر معروف. والمنّ لا واحد له من لفظه ، والسّلوى مفردها سلواة ، وأنشدوا :
|
٤٨٣ ـ وإني لتعروني لذكراك سلوة |
|
كما انتفض السّلواة من بلل القطر (٢) |
فيكون عندهم من باب : قمح وقمحة ، وقيل : «سلوى» مفرد وجمعها سلاوى ، قاله الكسائي ، وقيل : سلوى يستعمل للواحد والجمع ، كدقلى وشكاعى وقيل : السّلوى : العسل ، قال الهذلي :
|
٤٨٤ ـ وقاسمها بالله جهدا لأنتم |
|
ألذّ من السّلوى إذا ما نشورها (٣) |
وغلّطه ابن عطية ، وادّعى الإجماع على أن السّلوى طائر ، وهذا غير مرض من القاضي أبي محمد ، فإن أئمة اللغة نقلوا أن السّلوى العسل ، ولم يغلّطوا هذا الشاعر ، بل يستشهدون بقوله.
قوله : (كُلُوا) هذا على إضمار القول ، أي : وقلنا لهم : كلوا ، وإضمار القول كثير في لسانهم ، ومنه : (وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ)(٤) أي : يقولون سلام ، (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما
__________________
(١) أخرجه من رواية الأغر المزني مسلم (٤ / ٢٠٧٥) ، في كتاب الذكر ... باب استحباب الاستغفار (٤١ / ٢٧٠٢).
(٢) تقدم وهو لأبي صخر الهذلي انظر شرح أشعار الهذليين (٢ / ٩٥٧).
(٣) البيت لأبي ذؤيب انظر ديوانه الهذليين (١ / ١٥٨) ، واللسان «سلا» ، وفيه أنه لخالد بن زهير.
(٤) سورة الرعد ، آية (٢٣).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)