نَعْبُدُهُمْ إِلَّا)(١) أي : يقولون ذلك ، وأما (الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ)(٢) أي : فيقال لهم ذلك وقد تقدّم القول في «كل» وتصريفه.
قوله : (مِنْ طَيِّباتِ) «من» لابتداء الغاية أو للتبعيض ، وقال أبو البقاء : «أو لبيان الجنس والمفعول محذوف أي : كلوا شيئا من طيبات» وهذا غير مرض ، لأنه كيف يبيّن شيء ثم يحذف؟
قوله : (ما رَزَقْناكُمْ) يجوز في «ما» أن تكون بمعنى الذي ، وما بعدها صلة لها والعائد محذوف ، أي : رزقناكموه ، وأن تكون نكرة موصوفة. فالجملة لا محلّ لها على الأول ومحلّها الجرّ على الثاني ، والكلام في العائد كما تقدّم ، وأن تكون مصدرية والجملة صلتها ، ولم يحتج إلى عائد على ما عرف قبل ذلك ، ويكون هذا المصدر واقعا موقع المفعول ، أي : من طيبات مرزوقنا.
قوله تعالى : (أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) «أنفسهم» مفعول مقدّم ، و «يظلمون» في محلّ النصب لكونه خبر «كانوا» ، وقدّم المفعول إيذانا باختصاص الظلم بهم وأنّه لا يتعدّاهم. والاستدراك في «لكن» واضح. ولا بدّ من حذف جملة قبل قوله «وما ظلمونا» ، فقدّره ابن عطية : فعصوا ولم يقابلوا النّعم بالشكر. وقال الزمخشري : «تقديره : فظلمونا بأن كفروا هذه النّعم وما ظلمونا ، فاختصر الكلام بحذقه لدلالة «وما ظلمونا» عليه.
(وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ)(٥٩)
قوله تعالى : (هذِهِ الْقَرْيَةَ) : هذِهِ منصوبة عند سيبويه على الظرف وعند الأخفش على المفعول به ، وذلك أنّ كلّ ظرف مكان مختصّ لا يتعدّى إليه الفعل إلا ب «في» ، تقول : صلّيت في البيت ، ولا تقول : صلّيت البيت ؛ إلا ما استثني. ومن جملة ما استثني «دخل» مع كلّ مكان مختصّ ، نحو : دخلت البيت والسوق ، وهذا مذهب سيبويه. وقال الأخفش : الواقع بعد «دخلت» مفعول به كالواقع بعد هدمت في قولك : «هدمت البيت» فلو جاء «دخل» مع غير الظرف تعدّى بفي ، نحو : دخلت في الأمر ، ولا تقول : دخلت الأمر ، وكذا لو جاء الظرف المختصّ مع غير «دخل» تعدّى ب «في» إلا ما شذّ كقوله :
|
٤٨٥ ـ جزى الله ربّ الناس خير جزائه |
|
رفيقين قالا خيمتي أمّ معبد (٣) |
و «القرية» نعت ل «هذه» ، أو عطف بيان كما تقدّم ، والقرية مشتقة من قريت أي : جمعت ، تقول : قريت الماء في الحوض ، أي : جمعته ، واسم ذلك الماء : قرى بكسر القاف. والمقراة : الجفنة العظيمة ، وجمعها مقار ، قال :
__________________
(١) سورة الزمر ، آية (٣).
(٢) سورة آل عمران ، آية (١٠٦).
(٣) قيل هذا البيت لرجل من الجن سمعوا بمكة صوته ولم يروا شخصه انظر الهمع (١ / ٢٠٠) ، الشذور (٢٣٥) ، الدرر (١ / ١٦٩) ، تعليق الفرائد (١ / ١٦١٢) ، مشاهد الإنصاف (٢ / ١٤٦).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)