وقيل : جواب الشرط الأول محذوف تقديره : فإمّا يأتينّكم مني هدى فاتّبعوه ، وقوله : «فمن تبع» جملة مستقلة. وهو بعيد أيضا.
و «من» يجوز أن تكون شرطية وهو الظاهر ، ويجوز أن تكون موصولة ، ودخلت الفاء في خبرها تشبيها لها بالشرط ، ولا حاجة إلى هذا. فإن كانت شرطية كان «تبع» في محل جزم ، وكذا : «فلا خوف» لكونهما شرطا وجزاء ، وإن كانت موصولة فلا محلّ ل «تبع». وإذا قيل بأنّها شرطية فهي مبتدأ أيضا ، ولكن في خبرها خلاف مشهور : الأصحّ أنه فعل الشرط ، بدليل أنه يلزم عود ضمير من فعل الشرط على اسم الشرط ، ولا يلزم ذلك في الجواب ، تقول : من يقم أكرم زيدا ، فليس في «أكرم زيدا» ضمير يعود على «من» ولو كان خبرا للزم فيه ضمير ، ولو قلت : «من يقم زيدا أكرمه» وأنت تعيد الهاء على «من» لم يجز لخلوّ فعل الشرط من الضمير. وقيل : الخبر الجواب ، ويلزم هؤلاء أن يأتوا فيه بعائد على اسم الشرط ، فلا يجوز عندهم : «من يقم أكرم زيدا» ولكنه جائز ، هذا ما أورده أبو البقاء. وسيأتي تحقيق القول في لزوم عود ضمير من الجواب إلى اسم الشرط عند قوله تعالى : (مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ)(١). وقيل : مجموع الشرط والجزاء هو الخبر لأنّ الفائدة إنما تحصل منهما. وقيل : ما كان فيه ضمير عائد على المبتدأ فهو الخبر.
والمشهور : «هداي» ، وقرئ : هديّ (٢) ، بقلب الألف ياء ، وإدغامها في ياء المتكلم ، وهي لغة هذيل ، يقولون في عصاي : عصيّ ، وقال شاعرهم يرثي بنيه :
|
٣٩٨ ـ سبقوا هويّ وأعنقوا لهواهم |
|
فتخرّموا ولكلّ جنب مصرع (٣) |
كأنهم لمّا لم يصلوا إلى ما تستحقّه ياء المتكلم من كسر ما قبلها لكونه ألفا أتوا بما يجانس الكسرة ، فقلبوا الألف ياء ، وهذه لغة مطردة عندهم ، إلا أن تكون الألف للتثنية فإنهم يثبتونها نحو : جاء مسلماي وغلاماي.
قوله : (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) قد تقدّم أنه يجوز أن يكون جوابا للشرط ، فيكون في محلّ جزم ، وأن يكون خبرا ل «من» إذا قيل بأنها موصولة ، وهو أولى لمقابلته بالموصول في قوله : (وَالَّذِينَ كَفَرُوا) فيكون في محل رفع ، و «لا» يجوز أن تكون عاملة عمل ليس ، فيكون «خوف» اسمها ، و «عليهم» في محلّ نصب خبرها ، ويجوز أن تكون غير عاملة فيكون «خوف» مبتدأ ، و «عليهم» في محل رفع خبره. وهذا أولى ممّا قبله لوجهين :
أحدهما : أنّ عملها عمل ليس قليل ولم يثبت إلا بشيء محتمل وهو قوله :
|
٣٩٩ ـ تعزّ فلا شيء على الأرض باقيا |
|
ولا وزر ممّا قضى الله واقيا (٤) |
والثاني : أنّ الجملة التي بعدها وهي : (وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) تعيّن أن تكون «لا» فيها غير عاملة لأنها لا تعمل في المعارف ، فجعلها غير عاملة فيه مشاكلة لما بعدها ، وقد وهم بعضهم فجعلها عاملة في المعرفة مستدلّا بقوله :
__________________
(١) سورة البقرة ، آية (٩٨).
(٢) انظر مختصر الشواذ (٥).
(٣) البيت لابي ذؤيب الهذلي انظر ديوان الهذليين (١ / ٢) ، أمالي ابن الشجري (١ / ٢٨١) ، شرح المفصل لابن يعيش (٣ / ٣٣) ، المحتسب (١ / ٧٦) ، الهمع (٢ / ٥٣) ، الدرر (٢ / ٦٨) ، شرح المفضليات ٣ / ١٤٠٣ ، المقرب ١ / ٢١٧ ، التصريح ٢ / ٦١ ، البحر ١ / ١٦٩.
(٤) البيت في أوضح المسالك (١ / ٢٠٤) ، الشذور (٢٥٠) ، الهمع (١ / ١٢٥) ، الدرر (١ / ٩٧) ، الخزانة (١ / ٥٣٠).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)