به العداوة ، والثاني علّق به إتيان الهدى. وقيل : «لأنّ الهبوط الأول من الجنة إلى السماء ، والثاني من السماء إلى الأرض». واستبعده بعضهم لأجل قوله : «ولكم في الأرض مستقرّ». وقال ابن عطية : «وحكى النقاش (١) أن الهبوط الثاني إنما هو من الجنة إلى السماء ، والأولى في ترتيب الآية إنما هو إلى الأرض وهو الأخير في الوقوع». انتهى ، وقيل : كرّر على سبيل التأكيد نحو قولك : قم قم ، والضمير في «منها» يعود على الجنة أو السماء.
قوله : (جَمِيعاً) حال من فاعل «اهبطوا» أي : مجتمعين : إمّا في زمان واحد أو في أزمنة متفرقة لأنّ المراد الاشتراك في أصل الفعل ، وهذا هو الفرق بين : جاؤوا جميعا ، وجاؤوا معا ، فإن قولك «معا» يستلزم مجيئهم جميعا في زمن واحد لما دلّت عليه «مع» من الاصطحاب ، بخلاف «جميعا» فإنها لا تفيد إلا أنه لم يتخلّف أحد منهم عن المجيء ، من غير تعرّض لاتحاد الزمان. وقد جرت هذه المسألة بين ثعلب وغيره ، فلم يعرفها ذاك الرجل فأفادها له ثعلب.
و «جميع» في الأصل من ألفاظ التوكيد ، نحو : «كل» ، وبعضهم عدّها معها. وقال ابن عطية : «وجميعا حال من الضمير في «اهبطوا» وليس بمصدر ولا اسم فاعل ، ولكنه عوض منهما دالّ عليهما ، كأنه قال : «هبوطا جميعا أو هابطين جميعا» كأنه يعني أنّ الحال في الحقيقة محذوف ، وأنّ «جميعا» تأكيد له ، إلا أنّ تقديره بالمصدر ينفي جعله حالا إلا بتأويل لا حاجة إليه. وقال بعضهم : التقدير : قلنا اهبطوا مجتمعين فهبطوا جميعا ، فحذف الحال من الأول لدلالة الثاني عليه ، وحذف العامل من الثاني لدلالة الأول عليه ، وهذا تكلّف لم تدع إليه ضرورة.
قوله : (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ) الآية. الفاء مرتّبة معقّبة. و «إمّا» أصلها : إن الشرطية زيدت عليها «ما» تأكيدا ، و «يأتينّكم» في محلّ جزم بالشرط ، لأنه بني لاتصاله بنون التوكيد. وقيل : بل هو معرب مطلقا. وقيل : مبنيّ مطلقا. والصحيح : التفصيل : إن باشرته كهذه الآية بني وإلّا أعرب ، نحو : هل يقومانّ؟ وبني على الفتح طلبا للخفّة ، وقيل : بل بني على السكون وحرّك بالفتح لالتقاء الساكنين. وذهب الزجاج والمبرد إلى أن الفعل الواقع بعد إن الشرطية المؤكّدة ب «ما» يجب تأكيده بالنون ، قالا : ولذلك لم يأت التنزيل إلا عليه. وذهب سيبويه إلى أنه جائز لا واجب ، لكثرة ما جاء به منه في الشعر غير مؤكّد ، فكثرة مجيئه غير مؤكّد يدلّ على عدم الوجوب ، فمن ذلك قوله :
|
٣٩١ ـ فإمّا تريني كابنة الرّمل ضاحيا |
|
على رقّة أحفى ولا أتنعّل (٢) |
وقول الآخر :
|
٣٩٢ ـ يا صاح إمّا تجدني غير ذي جدة |
|
فما التخلّي عن الخلّان من شيمي (٣) |
وقول الآخر :
|
٣٩٣ ـ زعمت تماضر أنّني إمّا أمت |
|
يسدد أبينوها الأصاغر خلّتي (٤) |
__________________
(١) محمد بن الحسن بن محمد بن زياد بن هارون ، أبو بكر النقاش عالم بالقرآن وتفسيره صاحب شفاء الصدور توفي سنة ٣٥١ ه وفيات الأعيان (١ / ٤٨٩) ، إرشاد الأريب (٦ / ٤٩٦) ، غاية النهاية (٢ / ١١٩) ، الأعلام (٦ / ٨١).
(٢) البيت للشنفري وهو من شواهد البحر (١ / ١٦٨) ، والأشموني (٣ / ٢١٦).
(٣) البيت في الأشموني (٣ / ٢١٦) ، التصريح (٢ / ٢٠٤) ، العيني (٤ / ٣٣٩).
(٤) البيت لسلمى بن ربيعة انظر الأصمعيات (١٦١) ، الحماسة (١ / ٢٨٦) ، النوادر (١٢١) ، أمالي ابن الشجرى ـ
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)