لأنه غير حقيقي ، وللفصل أيضا ، وهذا سبيل كلّ فعل فصل بينه وبين فاعله المؤنّث بشيء ، أو كان الفاعل مؤنثا مجازيا.
قوله تعالى : (فَتابَ عَلَيْهِ) عطف على ما قبله ، ولا بدّ من تقدير جملة قبلها أي : فقالها. والكلمات جمع كلمة ، وهي اللفظ الدالّ على معنى مفرد ويطلق على الجمل المفيدة مجازا تسمية للكلّ باسم الجزء كقوله تعالى : (تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ)(١) ثم فسّرها بقوله : «ألّا نعبد» إلى آخره. وقال تعالى : (كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ)(٢) يريد قوله : (رَبِّ ارْجِعُونِ) إلى آخره ، وقال لبيد :
|
٣٨٨ ـ ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل |
|
وكلّ نعيم ـ لا محالة ـ زائل (٣) |
فسمّاه رسول الله صلىاللهعليهوسلم كلمة ، فقال : «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد» (٤).
والتوبة : الرجوع ، ومعنى وصف الله تعالى بذلك أنه عبارة عن العطف على عباده وإنقاذهم من العذاب ، ووصف العبد بها ظاهر لأنه يرجع عن المعصية إلى الطاعة ، والتوّاب الرحيم صفتا مبالغة ، ولا يختصّان بالباري تعالى. قال تعالى : (يُحِبُّ التَّوَّابِينَ)(٥) ، ولا يطلق عليه «تائب» وإن صرّح بفعله مسندا إليه تعالى ، وقدّم التواب على الرحيم لمناسبة «فتاب عليه» ولأنه موافق لختم الفواصل بالرحيم.
وقوله : (إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) نظير قوله : (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)(٦). وأدغم أبو عمرو هاء «إنه» في هاء «هو». واعترض على هذا بأن بين المثلين ما يمنع من الإدغام وهو الواو ، وأجيب بأنّ الواو صلة زائدة لا يعتدّ بها بدليل سقوطها في قوله :
|
٣٨٩ ـ له زجل كأنّه صوت حاد |
|
إذا طلب الوسيقة أو زمير (٧) |
وقوله :
|
٣٩٠ ـ أو معبر الظهر ينبي عن وليّته |
|
ما حجّ ربّه في الدنيا ولا اعتمرا (٨) |
والمشهور قراءة : «إنّه» بكسر إنّ ، وقرئ بفتحها (٩) على تقدير لام العلة.
(قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)(٣٨)
قوله : (قُلْنَا اهْبِطُوا) : إنما كرّر قوله : «قلنا» لأنّ الهبوطين مختلفان باعتبار متعلّقيهما ، فالهبوط الأول علّق
__________________
(١) سورة آل عمران ، آية (٦٤).
(٢) سورة المؤمنون ، آية (١٠٠).
(٣) البيت في ديوانه (٢٥٦) ، شرح المفصل لابن يعيش (٢ / ٧٨) ، الشذور (١٢٢).
(٤) أخرجه البخاري ومسلم وسيأتي.
(٥) سورة البقرة ، آية (٢٢٢).
(٦) سورة البقرة ، آية (٣٢).
(٧) البيت للشماخ انظر ديوانه (٣٦) ، الإنصاف (٢٩٨) ، الخصائص (١ / ١٢٧) ، الخزانة (٢ / ٣٨٨) ، رصف المباني (١٦).
(٨) البيت وهو من شواهد الكتاب (١ / ٣٠) ، الإنصاف (٢٩٨) ، الكشاف (١ / ١٥٢).
(٩) انظر البحر المحيط (١ / ١٦٦).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)