|
٣٨٣ ـ يزلّ الغلام الخفّ عن صهواته |
|
ويلوي بأثواب العنيف المثقّل (١) |
فرددنا قراءة الجماعة إلى قراءة حمزة ، أو نردّ قراءة حمزة إلى قراءة الجماعة بأن نقول : معنى أزالهما أي : صرفهما عن طاعة الله تعالى فأوقعهما في الزلّة لأنّ إغواءه وإيقاعه لهما في الزلّة سبب للزوال ويحتمل أن تفيد كلّ قراءة معنى مستقلا ، فقراءة الجماعة تؤذن بإيقاعهما في الزّلّة ، فيكون زلّ بمعنى استنزل ، وقراءة حمزة تؤذن بتنحيتهما عن مكانهما ، ولا بدّ من المجاز في كلتا القراءتين لأن الزّلل أصله في زلّة القدم ، فاستعمل هنا في زلّة الرأي ، والتنحية لا يقدر عليها الشيطان ، وإنما يقدر على الوسوسة التي هي سبب التنحية. و «عنها» متعلق بالفعل قبله. ومعنى «عن» هنا السببيّة إن أعدنا الضمير على «الشجرة» أي : أوقعهما في الزّلّة بسبب الشجرة. ويجوز أن تكون على بابها من المجاوزة إن عاد الضمير على «الجنّة» ، وهو الأظهر ، لتقدّم ذكرها ، وتجيء عليه قراءة حمزة واضحة ، ولا تظهر قراءته كلّ الظهور على كون الضمير للشجرة ، قال ابن عطية : «وأمّا من قرأ «أزالهما» فإنّه يعود على الجنّة فقط» ، وقيل : الضمير للطاعة أو للحالة أو للسماء وإن لم يجر لها ذكر لدلالة السياق عليها وهذا بعيد جدا.
قوله : (فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ) الفاء هنا واضحة السببية. وقال المهدويّ : «إذا جعل «فأزلّهما» بمعنى زلّ عن المكان كان قوله تعالى : (فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ) توكيدا ، إذ قد يمكن أن يزولا عن مكان كانا فيه إلى مكان آخر» ، وهذا الذي قاله المهدوي أشبه شيء بالتأسيس لا التأكيد ، لإفادته معنى جديدا ، قال ابن عطية : «وهنا محذوف يدلّ عليه الظاهر تقديره : فأكلا من الشجرة» ، يعني بذلك أنّ المحذوف يقدّر قبل قوله «فأزلّهما».
و (مِمَّا كانا) متعلّق بأخرج ، و «ما» يجوز أن تكون موصولة اسمية وأن تكون نكرة موصوفة ، أي : من المكان أو النعيم الذي كانا فيه ، أو من مكان أو نعيم كانا فيه ، فالجملة من كان واسمها وخبرها لا محلّ لها على الأول ومحلّها الجرّ على الثاني ، و «من» لابتداء الغاية.
وقوله : (اهْبِطُوا) جملة أمرية في محلّ نصب بالفعل [قبلها] وقرئ : «اهبطوا» بضم الباء (٢) وهو كثير في غير المتعدّي ، وأمّا الماضي فهبط بالفتح فقط ، وجاء في مضارعه اللغتان ، والمصدر : الهبوط بالضم ، وهو النزول. وقيل : الانتقال مطلقا. وقال المفضل (٣) : «الهبوط : الخروج من البلد ، وهو أيضا الدخول فيها فهو من الأضداد». والضمير في «اهبطوا» الظاهر أنه لجماعة ، فقيل : لآدم وحوّاء والجنة وإبليس ، وقيل : لهما وللجنة ، وقيل : لهما وللوسوسة ، وفيه بعد. وقيل : لبني آدم وبني إبليس ، وهذا وإن كان نقل عن مجاهد والحسن لا ينبغي أن يقال ، لأنه لم يولد لهما في الجنة بالاتفاق. وقال الزمخشري : «إنه يعود لآدم وحواء ، والمراد هما وذريتهما ، لأنهما لمّا كانا أصل الإنس ومتشعّبهم جعلا كأنهما الإنس كلّهم ، ويدلّ عليه «قال اهبطوا منها جميعا».
قوله : (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) هذه جملة من مبتدأ وخبر ، وفيها قولان ، أصحّهما : أنّها في محلّ نصب على الحال أي : اهبطوا متعادين. والثاني : أنها لا محلّ لها لأنها استئناف إخبار بالعداوة. وأفرد لفظ «عدو» وإن كان المراد به جمعا لأحد وجهين : إمّا اعتبارا بلفظ «بعض» فإنه مفرد ، وإمّا لأن «عدوّا» أشبه المصادر في الوزن كالقبول
__________________
(١) البيت من معلقته المشهورة انظر ديوانه (١١٩) ، شرح القصائد للتبريزي (١١٦) ، والشنقيطي (٦٦) ، والزوزني (٣٢).
(٢) انظر البحر المحيط (١ / ١٦٢).
(٣) المفضل بن محمد الضبي النحوي المقري الأديب توفي سنة ١٦٨ ، غاية النهاية (٢ / ٣١٧).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)