ونحوه. وقد صرّح أبو البقاء بأن بعضهم جعل عدوّا مصدرا ، قال في سورة النساء : «وقيل : عدوّ مصدر كالقبول والولوع فلذلك لم يجمع» ، وعبارة مكي قريبة من هذه فإنّه قال : «وإنما وحّد وقبله جمع لأنه بمعنى المصدر تقديره : ذوي عداوة». ونحوه : (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي)(١) ، وقوله : (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ)(٢) واشتقاق العدوّ من عدا يعدو : إذا ظلم. وقيل : من عدا يعدو إذا جاوز الحقّ ، وهما متقاربان. وقيل : من عدوتي الجبل وهما طرفاه فاعتبروا بعد ما بينهما ، ويقال : عدوة ، وقد يجمع على أعداء.
واللام في «لبعض» متعلقة ب «عدوّ» ومقوّية له ، ويجوز أن تكون في الأصل صفة ل «عدوّ» ، فلمّا قدّم عليه انتصب حالا ، فتتعلّق اللام حينئذ بمحذوف ، وهذه الجملة الحالية لا حاجة إلى ادّعاء حذف واو الحال منها ، لأنّ الربط حصل بالضمير ، وإن كان الأكثر في الجملة الاسمية الواقعة حالا أن تقترن بالواو.
والبعض في الأصل مصدر بعض الشيء يبعضه إذا قطعه فأطلق على القطعة من الناس لأنها قطعة منه ، وهو يقابل «كلّا» ، وحكمه حكمه في لزوم الإضافة معنى وأنه معرفة بنيّة الإضافة فلا تدخل عليه أل ، وينتصب عنه الحال. تقول : «مررت ببعض جالسا» وله لفظ ومعنى ، وقد تقدّم تقرير جميع ذلك في لفظ «كل».
قوله : «ولكم في الأرض مستقرّ» هذه الجملة يجوز فيها الوجهان المتقدّمان في الجملة قبلها من الحالية والاستئناف ، كأنه قيل : اهبطوا متعادين ومستحقّين الاستقرار. و «لكم» خبر مقدم. و «في الأرض» متعلق بما تعلّق به الخبر من الاستقرار. وتعلّقه به على وجهين :
أحدهما : أنه حال.
والثاني : أنه غير حال بل كسائر الظروف ، ويجوز أن يكون «في الأرض» هو الخبر ، و «لكم» متعلق بما تعلّق به هو من الاستقرار ، لكن على أنه غير حال ، لئلا يلزم تقديم الحال على عاملها المعنوي ، على أن بعض النّحويين أجاز ذلك إذا كانت الحال نفسها ظرفا أو حرف جرّ كهذه الآية ، فيكون في «لكم» أيضا الوجهان ، قال بعضهم : «ولا يجوز أن يكون «في الأرض» متعلقا بمستقرّ سواء جعل مكانا أو مصدرا (٣) ، أمّا كونه مكانا فلأنّ أسماء الأمكنة لا تعمل ، وأمّا كونه مصدرا فإن المصدر الموصول لا يجوز تقديم معموله عليه». ولقائل أن يقول : هو متعلّق به على أنه مصدر ، لكنه غير مؤول بحرف مصدري بل بمنزلة المصدر في قولهم : «له ذكاء ذكاء الحكماء». وقد اعتذر صاحب هذا القول بهذا العذر نفسه في موضع آخر مثل هذا.
قوله : (إِلى حِينٍ) الظاهر أنه متعلق بمتاع ، وأنّ المسألة من باب الإعمال لأنّ كلّ واحد من قوله : «مستقرّ ومتاع» يطلب قوله : «إلى حين» من جهة المعنى. وجاء الإعمال هنا على مختار البصريين وهو إعمال الثاني وإهمال الأول فلذلك حذف منه ، والتقدير : ولكم في الأرض مستقرّ إليه ومتاع إلى حين ، ولو جاء على إعمال الأول لأضمر في الثاني ، فإن قيل : من شرط الإعمال أن يصحّ تسلّط كلّ من العاملين على المعمول ، و «مستقر» لا يصحّ تسلّطه عليه لئلّا يلزم منه الفصل بين المصدر ومعموله والمصدر بتقدير الموصول. فالجواب : أنّ المحذور في المصدر الذي
__________________
(١) سورة الشعراء ، آية (٧٧).
(٢) سورة المنافقون ، آية (٤).
(٣) انظر البحر المحيط (١ / ١٦٤).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)