قوله : (وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ) لا ناهية ، و «تقربا» مجزوم بها حذفت نونه. وقرئ : «تقربا» (١) بكسر حرف المضارعة ، والألف فاعل ، و «هذه» مفعول به اسم إشارة المؤنث ، وفيها لغات : هذي وهذه [وهذه] بكسر الهاء بإشباع ودونه ، وهذه بسكونه ، وذه بكسر الذال فقط ، والهاء بدل من الياء لقربها منها في الخفاء. قال ابن عطية ـ ونقل أيضا عن النحاس ـ «وليس في الكلام هاء تأنيث مكسور ما قبلها غير «هذه». وفيه نظر ، لأن تلك الهاء التي تدلّ على التأنيث ليست هذه ، لأن تيك بدل من تاء التأنيث في الوقف ، وأمّا هذه الهاء فلا دلالة لها على التأنيث بل الدالّ عليه مجموع الكلمة ، كما تقول : الياء في «هذي» للتأنيث. وحكمها في القرب والبعد والتوسط ودخول هاء التنبيه وكاف الخطاب حكم «ذا» وقد تقدّم. ويقال فيها أيضا : تيك وتيلك وتلك وتالك ، قال الشاعر :
|
٣٧٤ ـ تعلّم أنّ بعد الغيّ رشدا |
|
وأنّ لتالك الغمر انحسارا (٢) |
قال هشام (٣) : «ويقال : تافعلت» ، وأنشدوا :
|
٣٧٥ ـ خليليّ لو لا ساكن الدار لم أقم |
|
بتا الدار إلّا عابر ابن سبيل (٤) |
و «الشجرة» بدل من «هذه» ، وقيل : نعت لها لتأويلها بمشتق ، أي : هذه الحاضرة من الشجر. والمشهور أن اسم الإشارة إذا وقع بعده مشتقّ كان نعتا له ، وإن كان جامدا كان بدلا منه. والشجرة واحدة الشّجر ، اسم جنس ، وهو ما كان على ساق بخلاف النجم ، وسيأتي تحقيقهما في سورة «الرحمن» إن شاء الله تعالى. وقرئ : «الشجرة» (٥) بكسر الشين والجيم وسكون الجيم ، وبإبدالها ياء مع فتح الشين وكسرها لقربها منها مخرجا ، كما أبدلت الجيم منها في قوله :
|
٣٧٦ ـ يا ربّ إن كنت قبلت حجّتج |
|
فلا يزال شاحج يأتيك بج (٦) |
يريد بذلك حجّتي وبي ، وقال آخر :
|
٣٧٧ ـ إذا لم يكن فيكنّ ظلّ ولا جنّى |
|
فأبعدكنّ الله من شيرات (٧) |
وقال أبو عمرو : «إنما يقرأ بها برابر مكة وسودانها». وجمعت الشجر أيضا على شجراء ، ولم يأت جمع على هذه الزنة إلا قصبة وقصباء ، وطرفة وطرفاء وحلفة وحلفاء ، وكان الأصمعي يقول : «حلفة بكسر اللام» وعند سيبويه أنّ هذه الألفاظ واحدة وجمع.
وتقول : قربت الأمر أقربه بكسر العين في الماضي ، وفتحها في المضارع أي : التبست به ، وقال الجوهري : «قرب بالضمّ يقرب قربا أي : دنا ، وقربته بالكسر قربانا دنوت منه ، وقربت أقرب قرابة مثل : كتبت أكتب كتابة إذا سرت إلى الماء وبينك وبينه ليلة. وقيل : إذا قيل : لا تقرب بفتح الراء كان معناه لا تلتبس بالفعل وإذا قيل : لا تقرب
__________________
(١) انظر البحر المحيط (١ / ١٥٨).
(٢) البيت للقطامي انظر ديوانه (٤٠) ، الخزانة (٤ / ٢) ، الهمع (١ / ٧٥) ، الدرر (١ / ٤٩) ، القرطبي (٢ / ٥٤).
(٣) هشام بن معاوية الضرير أبو عبد الله النحويّ الكوفي أحد أعيان أصحاب الكسائي صاحب مختصر النحو والحدود ، والقياس توفي سنة تسع ومائتين البقية (٢ / ٣٢٨).
(٤) البيت من شواهد القرطبي (١ / ٢١٣).
(٥) انظر البحر المحيط (١ / ١٥٨).
(٦) البيت لرجل انظر شرح المفصل لابن يعيش (١٠ / ٥٠) ، المحتسب (١ / ٧٥) ، الأشموني (٣ / ١٤٧).
(٧) البيت لجعيثنة البكائي انظر أمالي القالي (٢ / ٢٣٨) ، العيني (٤ / ٥٨٩) ، السمط (٨٣٤) ، الكشاف (٤ / ٣٦٤).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)