عطف عليه ، هذا مذهب البصريين ، أعني : اشتراط الفصل بين المتعاطفين إذا كان المعطوف عليه ضميرا مرفوعا متصلا ، ولا يشترط أن يكون الفاصل توكيدا ، [بل] أيّ فصل كان ، نحو : (ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا)(١). وأمّا الكوفيون فيجيزون ذلك من غير فاصل وأنشدوا :
|
٣٦٩ ـ قلت إذ أقبلت وزهر تهادى |
|
كنعاج الفلا تعسّفن رملا (٢) |
وهذا عند البصريين ضرورة لا يقاس عليه. وقد منع بعضهم أن يكون «زوجك» عطفا على الضمير المستكنّ في «اسكن» وجعله من عطف الجمل ، بمعنى أن يكون «زوجك» مرفوعا بفعل محذوف ، أي : ولتسكن زوجك ، فحذف لدلالة «اسكن» عليه ، ونظّره بقوله تعالى : (لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ) ، وزعم أنه مذهب سيبويه ، وكأن شبهته في ذلك أنّ من حقّ المعطوف حلوله محلّ المعطوف عليه ، ولا يصحّ هنا حلول «زوجك» محلّ الضمير ، لأنّ فاعل فعل الأمر الواحد المذكّر نحو : قم واسكن لا يكون إلّا ضميرا مستترا ، وكذلك فاعل نفعل ، فكيف يصحّ وقوع الظاهر موقع المضمر الذي قبله؟ وهذا الذي زعمه ليس بشيء لأنّ مذهب سيبويه بنصّه يخالفه ، ولأنه لا خلاف في صحّة : «تقوم هند وزيد» ، ولا يصحّ مباشرة زيد ل «تقوم» لتأنيثه.
والسكون والسّكنى : الاستقرار. ومنه : المسكين لعدم استقراره وحركته وتصرّفه ، والسّكّين لأنها تقطع حركة المذبوح ، والسّكينة لأنّ بها يذهب القلق.
و «الجنّة» مفعول به لا ظرف ، نحو : سكنت الدار. وقيل : هي ظرف على الاتساع ، وكان الأصل تعديته إليها ب «في» ، لكونها ظرف مكان مختصّ ، وما بعد القول منصوب به.
قوله : (وَكُلا مِنْها رَغَداً) هذه الجملة عطف على «اسكن» فهي في محلّ نصب بالقول ، وأصل كل : اأكل بهمزتين : الأولى همزة وصل ، والثانية فاء الكلمة فلو جاءت هذه الكلمة على هذا الأصل لقيل : أوكل بإبدال الثانية حرفا مجانسا لحركة ما قبلها ، إلا أنّ العرب حذفت فاءه في الأمر تخفيفا فاستغنت حينئذ عن همزة الوصل فوزنه عل ، ومثله : خذ ومر ، ولا يقاس على هذه الأفعال غيرها لا تقول من أجر : جر. ولا تردّ العرب هذه الفاء في العطف بل تقول : قم وخذ وكل ، إلا «مر» فإنّ الكثير ردّ فائه بعد الواو والفاء قال تعالى : (وَأْمُرْ قَوْمَكَ)(٣) و (وَأْمُرْ أَهْلَكَ)(٤) ، وعدم الردّ قليل ، وقد حكى سيبويه : «اؤكل» على الأصل وهو شاذّ. وقال ابن عطية : «حذفت النون من «كلا» للأمر» وهذه العبارة موهمة لمذهب الكوفيين من أنّ الأمر عندهم معرب على التدريج كما تقدّم ، وهو عند البصريين محمول على المجزوم ، فإن سكّن المجزوم سكّن الأمر منه ، وإن حذف منه حرف حذف من الأمر.
و «منها» متعلّق به ، و «من» للتبعيض ، ولا بد من حذف مضاف أي : من ثمارها ، ويجوز أن تكون «من» لابتداء الغاية وهو أحسن ، و «رغدا» نعت لمصدر محذوف. وقد تقدّم أن مذهب سيبويه في هذا ونحوه أن ينتصب حالا ، وقيل هو مصدر في موضع الحال أي : كلا طيّبين مهنّأين.
وقرئ : «رغدا» بسكون الغين وهي لغة تميم. وقال بعضهم : كل فعل حلقيّ العين صحيح اللام يجوز
__________________
(١) سورة الأنعام ، آية (١٤٨).
(٢) البيت لعمر بن أبي ربيعة. انظر ملحق ديوانه (٤٩٨) ، الدرر (٢ / ١٩١) ، شرح ابن عقيل (٢ / ١٨٨).
(٣) سورة الأعراف ، آية (١٤٥).
(٤) سورة طه ، آية (١٣٢).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)