الكوفيين ، ومعناه عندهم : أنه كان أصله أن يتبع ما قبله والأصل : بهذا المثل ، فلمّا قطع عن التبعية انتصب ، وعلى ذلك قول امرئ القيس :
|
٣١٦ ـ سوامق جبّار أثيث فروعه |
|
وعالين قنوانا من البسر أحمرا (١) |
أصله : من البسر الأحمر.
قوله : (يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً) «الباء» فيه للسببية ، وكذلك في (يَهْدِي بِهِ) وهاتان الجملتان لا محلّ لهما لأنهما كالبيان للجملتين المصدّرتين ب «أمّا» ، وهما من كلام الله تعالى ، وقيل : في محلّ نصب لأنهما صفتان لمثلا ، أي : مثلا يفرّق الناس به ، إلى ضلّال ومهتدين ، وهما على هذا من كلام الكفار. وأجاز أبو البقاء أن تكون حالا من اسم الله أي : مضلا به كثيرا وهاديا به كثيرا. وجوّز ابن عطية أن تكون جملة قوله : «يضل به كثيرا» من كلام الكفار ، وجملة قوله : (وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً) من كلام الباري تعالى. وهذا ليس بظاهر ، لأنه إلباس في التركيب. والضمير في «به» عائد على «ضرب» المضاف تقديرا إلى المثل ، أي : بضرب المثل ، وقيل : الضمير الأول للتكذيب ، والثاني للتصديق ، ودلّ على ذلك قوّة الكلام.
وقرئ : «يضلّ به كثير ويهدى به كثير ، وما يضلّ به إلا الفاسقون» بالبناء للمفعول (٢) ، وقرئ أيضا : «يضلّ به كثير ويهدي به كثير ، وما يضلّ به إلا الفاسقون» بالبناء للفاعل (٣) ، قال بعضهم : «وهي قراءة القدريّة» قلت : نقل ابن عطية عن أبي عمرو الداني (٤) أنها قراءة المعتزلة ، ثم قال : «وابن أبي عبلة من ثقات الشاميّين» يعني قارئها ، وفي الجملة فهي مخالفة لسواد المصحف. فإن قيل : كيف وصف المهتدين هنا بالكثرة وهم قليلون ، لقوله تعالى : (وَقَلِيلٌ ما هُمْ)(٥) (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ)(٦)؟ فالجواب أنهم وإن كانوا قليلين في الصورة فهم كثيرون في الحقيقة كقوله :
|
٣١٧ ـ إنّ الكرام كثير في البلاد وإن |
|
قلوا كما غيرهم قل وإن كثروا (٧) |
فصار ذلك باعتبارين.
قوله : (وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ). الفاسقين : مفعول ل «يضلّ» وهو استثناء مفرغ ، وقد تقدّم معناه ، ويجوز عند الفراء أن يكون منصوبا على الاستثناء ، والمستثنى منه محذوف تقديره : وما يضلّ به أحدا إلا الفاسقين كقوله :
__________________
(١) البيت في ديوانه (٥٧) ، البحر المحيط (٣ / ٤٤٣). وروى صدره هكذا :
|
فأتت أعاليه وآدت أصوله |
|
............... ..... |
وسيأتي ذكره في كلام المصنف في سورة الأنعام ، آية (٩٩).
(٢) قراءة زيد بن علي. انظر البحر (١ / ١٢٦).
(٣) انظر البحر المحيط (١ / ١٢٦).
(٤) عثمان بن سعيد أبو عمرو الداني ، ويقال له : ابن الصيرفي من موالي بني أمية : أحد حفاظ الحديث ومن الأئمة في علم القرآن ورواياته وتفسيره ، توفي سنة ٤٤٤ ه. النجوم الزاهرة (٥ / ٥٤) ، نفح الطيب (١ / ٣٩٢) ، غاية النهاية (١ / ٥١٣) ، الأعلام (٤ / ٢٠٦).
(٥) سورة ص ، آية (٢٤).
(٦) سورة سبأ ، آية (١٣).
(٧) البيت من شواهد الكشاف (٤ / ٣٩٥).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)