أي : ما بين قرن ، وحكوا : «له عشرون ما ناقة فحملا» ، وعلى القول الثاني يكون «مثلا» مفعولا أول ، و «ما» تحتمل الوجهين المتقدمين و «بعوضة» مفعول ثان ، وقيل : بعوضة هي المفعول الأول و «مثلا» هو الثاني ولكنه قدّم.
وتلخّص ممّا تقدّم أنّ في «ما» ثلاثة أوجه : زائدة ، صفة لما قبلها ، نكرة موصوفة ، وأنّ في «مثلا» ثلاثة أيضا مفعول أول ، مفعول ثان ، حال مقدّمة ، وأنّ في «بعوضة» تسعة أوجه. والصواب من ذلك كلّه أن يكون «ضرب» متعديا لواحد بمعنى بيّن ، و «مثلا» مفعول به ، بدليل قوله : (ضُرِبَ مَثَلٌ) ، و «ما» صفة للنكرة ، و «بعوضة» بدل لا عطف بيان ، لأن عطف البيان ممنوع عند جمهور البصريين في النكرات.
وقرأ ابن أبي عبلة (١) والضحاك (٢) برفع «بعوضة» ، واتفقوا على أنها خبر لمبتدأ ، ولكنهم اختلفوا في ذلك المبتدأ ، فقيل : هو «ما» على أنها استفهامية ، أي : أي شيء بعوضة ، وإليه ذهب الزمخشري ورجّحه. وقيل : المبتدأ مضمر تقديره : هو بعوضة ، وفي ذلك وجهان :
أحدهما : أن تجعل هذه الجملة صلة ل «ما» لكونها بمعنى الذي ، ولكنه حذف العائد وإن لم تطل الصلة ، وهذا لا يجوز عند البصريين إلا في «أيّ» خاصة لطولها بالإضافة ، وأمّا غيرها فشاذّ أو ضرورة ، كقراءة : «تماما على الذي أحسن» (٣) ، وقوله :
|
٣١٠ ـ من يعن بالحقّ لا ينطق بما سفه |
|
ولا يحد عن سبيل الحمد والكرم (٤) |
أي : الذي هو أحسن ، وبما هو سفه ، وتكون «ما» على هذا بدلا من «مثلا» ، كأنه قيل : مثلا الذي هو بعوضة.
والثاني : أن تجعل «ما» زائدة أو صفة وتكون «هو بعوضة» جملة كالمفسّرة لما انطوى عليه الكلام.
قوله : (فَما فَوْقَها) قد تقدّم أن الفاء بمعنى إلى ، وهو قول مرجوح جدا. و «ما» في «فما فوقها» إن نصبنا «بعوضة» كانت معطوفة عليها موصولة بمعنى الذي ، وصلتها الظرف ، أو موصوفة وصفتها الظرف أيضا ، وإن رفعنا «بعوضة» ، وجعلنا «ما» الأولى موصولة أو استفهامية فالثانية معطوفة عليها ، لكن في جعلنا «ما» موصولة يكون ذلك من عطف المفردات ، وفي جعلنا إياها استفهامية يكون من عطف الجمل ، وإن جعلنا «ما» زائدة أو صفة لنكرة و «بعوضة» خبرا ل «هو» مضمرا كانت «ما» معطوفة على «بعوضة».
والبعوضة واحدة البعوض وهو معروف ، وهو في الأصل وصف على فعول كالقطوع ، مأخوذ من البعض وهو القطع ، وكذلك البضع والعضب ، قال :
|
٣١١ ـ لنعم البيت بيت أبي دثار |
|
إذا ما خاف بعض القوم بعضا (٥) |
__________________
(١) إبراهيم بن أبي عبلة شمر بن يقظان تابعي من أهل دمشق ، ثقة ، توفي سنة ١٥١ ه. غاية النهاية (١ / ١٩).
(٢) الضحاك بن مزاحم البلخي الخراساني أبو القاسم ، مفسر ، توفي بخراسان سنة ١٠٥ ه. ميزان الاعتدال (١ / ٤٧١) ، العبر (١ / ١٢٤) ، تاريخ الخميس (٢ / ٣١٨) ، الأعلام (٣ / ٢١٥).
(٣) سورة الأنعام ، آية (١٥٤).
(٤) البيت في الهمع (١ / ٩٠) ، التصريح (١ / ١٤٤) ، الدرر (١ / ٦٩) ، الأشموني (١ / ١٦٩).
(٥) البيت ذكره ابن منظور في اللسان (بعض) ، وهو من ـ
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)