واستعماله هنا في حقّ الله تعالى مجاز عن التّرك ، وقيل : مجاز عن الخشية لأنها أيضا من ثمراته ، وجعله الزمخشريّ من باب المقابلة ، يعني أنّ الكفار لمّا قالوا : «أما يستحيي ربّ محمد أن يضرب المثل بالمحقّرات» قوبل قولهم ذلك بقوله : (إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ) ، ونظيره قول أبي تمام :
|
٣٠٥ ـ من مبلغ أفناء يعرب كلّها |
|
أني بنيت الجار قبل المنزل (١) |
لو لم يذكر بناء الدار لم يصحّ بناء الجار.
واستحيى يتعدّى تارة بنفسه وتارة بحرف جرّ ، تقول : استحييته ، وعليه :
|
٣٠٦ ـ «إذا ما استحين الماء» |
|
............... |
البيت (٢) ، واستحييت منه ، وعليه :
|
٣٠٧ ـ «ألا تستحي منا الملوك» |
|
............... |
البيت (٣) ، فيحتمل أن يكون قد تعدّى في هذه الآية إلى «أن يضرب» بنفسه فيكون في محلّ نصب قولا واحدا ، ويحتمل أن يكون تعدّى إليه بحرف الجرّ المحذوف ، وحينئذ يجري الخلاف المتقدم في قوله «أنّ لهم جنات» (٤)
و «يضرب» معناه : يبيّن ، فيتعدّى لواحد. وقيل : معناه التصيير ، فيتعدّى لاثنين نحو : «ضربت الطين لبنا» ، وقال بعضهم : «لا يتعدّى لاثنين إلا مع المثل خاصة» ، فعلى القول الأول يكون «مثلا» مفعولا و «ما» زائدة ، أو صفة للنكرة قبلها لتزداد النكرة شياعا ، ونظيره قولهم : «لأمر ما جدع قصير أنفه» (٥) وقول امرئ القيس :
|
٣٠٨ ـ وحديث الرّكب يوم هنا |
|
وحديث ما على قصره (٦) |
وقال أبو البقاء : «وقيل «ما» نكرة موصوفة» ، ولم يجعل «بعوضة» صفتها بل جعلها بدلا منها ، وفيه نظر ، إذ يحتاج أن يقدّر صفة محذوفة ولا ضرورة إلى ذلك فكان الأولى أن يجعل «بعوضة» صفتها بمعنى أنه وصفها بالجنس المنكّر لإبهامه فهي في معنى «قليل» ، وإليه ذهب الفراء والزجّاج وثعلب ، وتكون «ما» وصفتها حينئذ بدلا من «مثلا» ، و «بعوضة» بدلا من «ما» أو عطف بيان لها إن قيل إنّ «ما» صفة ل «مثلا» ، أو نعت ل «ما» إن قيل : إنها بدل من «مثلا» كما تقدّم في قول الفراء ، وبدل من «مثلا» أو عطف بيان له إن قيل : إنّ «ما» زائدة. وقيل : «بعوضة» هو المفعول و «مثلا» نصب على الحال قدّم على النكرة. وقيل : نصب على إسقاط الخافض ، التقدير : ما بين بعوضة ، فلمّا حذفت «بين» أعربت «بعوضة» بإعرابها ، وتكون الفاء في قوله : (فَما فَوْقَها) بمعنى إلى ، أي : إلى ما فوقها ، ويعزى هذا للكسائي والفراء وغيرهم من الكوفيين وأنشدوا :
|
٣٠٩ ـ يا أحسن الناس ما قرنا إلى قدم |
|
ولا حبال محبّ واصل تصل (٧) |
__________________
(١) انظر ديوانه (٣ / ٤٧) ، الكشاف (٤ / ٤٧٥).
(٢) تقدم قريبا.
(٣) تقدم قريبا.
(٤) سورة البقرة ، آية (٢٥).
(٥) انظر مجمع الأمثال (٢ / ١٩٤).
(٦) انظر ديوانه (١٠٣) ، والشاهد : «ما على قصره» حيث جاءت «ما» إبهامته دالة على المبالغة وتقديره : أي حديث هوش من الأشياء.
(٧) البيت في المغني (١٧٤) ، وهمع الهوامع (٢ / ١١٣) ، الدرر (٢ / ١٧٠).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)