توقدها ، وإمّا من الثاني أي : يوقدها إحراق الناس ، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
والهاء في الحجارة لتأنيث الجمع.
قوله تعالى : (أُعِدَّتْ) فعل ما لم يسمّ فاعله ، والقائم مقام الفاعل ضمير (النَّارَ) والتاء واجبة ، لأن الفعل أسند إلى ضمير المؤنث ، ولا يلتفت إلى قوله :
|
٢٨٤ ـ فلا مزنة ودقت ودقها |
|
ولا أرض أبقل إبقالها (١) |
لأنه ضرورة خلافا لابن كيسان (٢). و «للكافرين» متعلق به ، ومعنى أعدّت : هيّئت ، قال :
|
٢٨٥ ـ أعددت للحدثان سا |
|
بغة وعدّاء علندى (٣) |
وقرئ : «أعتدت» (٤) من العتاد بمعنى العدّة. وهذه الجملة الظاهر أنها لا محلّ لها لكونها مستأنفة جوابا لمن قال : لمن أعدّت؟ وقال أبو البقاء : «محلّها النصب على الحال من (النَّارَ) والعامل فيها اتقوا». قيل : وفيه نظر (٥) فإنها معدّة للكافرين اتّقوا أم لم يتّقوا ، فتكون حالا لازمة ، لكن الأصل في الحال التي ليست للتوكيد أن تكون منتقلة ، فالأولى أن تكون استئنافا. قال أبو البقاء : «ولا يجوز أن تكون حالا من الضمير في «وقودها» لثلاثة أشياء :
أحدها : أنها مضاف إليها.
الثاني : أنّ الحطب لا يعمل ، يعني أنه اسم جامد.
الثالث : الفصل بين المصدر أو ما يعمل عمله وبين ما يعمل فيه بالخبر وهو «الناس» ، يعني أنّ الوقود بالضمّ وإن كان مصدرا صالحا للعمل فلا يجوز ذلك أيضا ؛ لأنه عامل في الحال وقد فصلت بينه وبينها بأجنبي وهو «الناس». وقال السجستاني : (أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ) من صلة «التي» كقوله : (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ)(٦) ، قال ابن الأنباري : «وهذا غلط لأن «التي» هنا وصلت بقوله : (وَقُودُهَا النَّاسُ) فلا يجوز أن توصل بصلة ثانية ، بخلاف التي في آل عمران». قلت : ويمكن ألّا يكون غلطا ، لأنّا لا نسلّم أنّ (وَقُودُهَا النَّاسُ) ـ والحالة هذه ـ صلة ، بل إمّا معترضة لأنّ فيها تأكيدا وإمّا حالا ، وهذان الوجهان لا يمنعهما معنى ولا صناعة.
قوله تعالى : (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا) : هذه الجملة معطوفة على ما قبلها ، عطف جملة ثواب المؤمنين على جملة عقاب الكافرين ، وجاز ذلك لأنّ مذهب سيبويه ـ وهو الصحيح ـ أنه لا يشترط في عطف الجمل التوافق معنى ،
__________________
(١) البيت لعامر بن جوين. انظر الخصائص (٢ / ٤١١) ، رصف المباني (١٦٦) ، المذكر والمؤنث للمبرد (١١٢) ، الكامل (٢ / ٢٧٩) ، العيني (٢ / ٢٦٤) ، أمالي ابن الشجري (١ / ١٦١) ، المخصص (١٦ / ٨٠) ، معاني الفراء (١ / ١٢٧) ، مجاز القرآن (٢ / ٦٧) ، المحتسب (٢ / ١١) ، الخزانة (١ / ٤٥). الشاهد قوله : «أبقل» حيث جرده من علامة التأنيث للضرورة مع أن فاعله ضمير مجازي التأنيث يجب تأنيث فعله.
(٢) محمد بن أحمد بن إبراهيم بن كيسان أبو الحسن النحوي صاحب المهذب في النحو ومعاني القرآن وعلل النحو وغير ذلك ، مات لثمان خلون من ذي القعدة سنة تسع وتسعين ومائتين. البغية (١ / ١٩) ، تاريخ بغداد (١ / ٣٣٥) ، معجم الأدباء (١٧ / ١٤١).
(٣) البيت لعمرو بن معديكرب. انظر الحماسة (١ / ١٠٤).
(٤) انظر البحر المحيط (١ / ١٠٩).
(٥) انظر البحر المحيط (١ / ١٠٩).
(٦) سورة آل عمران ، آية (١٣١).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)