وهو ضمير رفع منفصل ، وحكم ميمه بالنسبة إلى السكون والحركة والإشباع والاختلاس حكم ميم هم ، وقد تقدّم جميع ذلك.
قوله تعالى : (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا) : «إن حرف شرط يجزم فعلين شرطا وجزاء ، ولا يكون إلا في المحتمل وقوعه ، وهي أمّ ألباب ، فلذلك يحذف مجزومها كثيرا ، وقد يحذف الشرط والجزاء معا ، قال :
|
٢٧١ ـ قالت بنات العمّ يا سلمى وإن |
|
كان فقيرا معدما قالت : وإن (١) |
أي : وإن كان فقيرا تزوجته ، وتكون «إن» نافية لتعمل وتهمل ، وتكون مخففة وزائدة باطّراد وعدمه ، وأجاز بعضهم أن تكون بمعنى إذ ، وبعضهم أن تكون بمعنى قد ، ولها أحكام كثيرة. و «في ريب» خبر كان ، فيتعلّق بمحذوف ، ومحلّ «كان» الجزم ، وهي وإن كانت ماضية لفظا فهي مستقبلة معنى.
وزعم المبرد أنّ ل «كان» الناقصة حكما مع «إن» ليس لغيرها من الأفعال الناقصة فزعم أن لقوة «كان» أنّ «إن» الشرطية لا تقلب معناها إلى الاستقبال ، بل تكون على معناها من المضيّ ، وتبعه في ذلك أبو البقاء ، وعلّل ذلك بأنه كثر استعمالها غير دالّة على حدث. وهذا مردود عند الجمهور لأن التعليق إنما يكون في المستقبل ، وتأوّلوا ما ظاهره غير ذلك ، نحو : (إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ)(٢) : إمّا بإضمار «يكن» بعد «إن» ، وإمّا على التبيين ، والتقدير : إن يكن قميصه أو إن يتبيّن كون قميصه ، ولمّا خفي هذا المعنى على بعضهم جعل «إن» هنا بمنزلة «إذ».
وقوله : (فِي رَيْبٍ) مجاز من حيث إنه جعل الريب ظرفا محيطا بهم ، بمنزلة المكان لكثرة وقوعه منهم.
و «ممّا» يتعلق بمحذوف لأنه صفة لريب فهو في محلّ جرّ. و «من» للسببية أو ابتداء الغاية ، ولا يجوز أن تكون للتبعيض ، ويجوز أن تتعلّق بريب ، أي : إن ارتبتم من أجل ، ف «من» هنا للسببية «وما» موصولة أو نكرة موصوفة ، والعائد على كلا القولين محذوف أي : نزّلناه. والتضعيف في «نزّلنا» هنا للتعدية مرادفا لهمزة التعدّي ، ويدلّ عليه قراءة «أنزلنا» بالهمز (٣) ، وجعل الزمخشري التضعيف هنا دالّا على نزوله منجّما في أوقات مختلفة. قال بعضهم (٤) : «وهذا الذي ذهب إليه في تضعيف الكلمة هنا هو الذي يعبّر عنه بالتكثير ، أي يفعل ذلك مرة بعد مرة ، فيدلّ على ذلك بالتضعيف ، ويعبّر عنه بالكثرة». قال : «وذهل عن قاعدة ـ وهي أن التضعيف الدالّ على ذلك من شرطه أن يكون في الأفعال المتعدية قبل التضعيف غالبا نحو : جرّحت زيدا وفتّحت الباب ، ولا يقال : جلّس زيد ، ونزّل لم يكن متعديا قبل التضعيف ، وإنّ ما جعله متعديا تضعيفه. وقوله «غالبا» لأنه قد جاء التضعيف دالّا على الكثرة في اللازم قليلا نحو : «موّت المال» وأيضا فالتضعيف الدالّ على الكثرة لا يجعل القاصر متعديا كما تقدّم في موّت المال ، ونزّل كان قاصرا فصار بالتضعيف متعدّيا ، فدلّ على أن تضعيفه للنقل لا للتكثير ، وأيضا كان يحتاج قوله تعالى : (لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً)(٥) إلى تأويل ، وأيضا فقد جاء التضعيف حيث لا يمكن فيه التكثير نحو
__________________
(١) البيت لرؤبة. انظر ملحق ديوانه (١٨٦) ، المقرب (١ / ٢٧٧) ، شرح شواهد المغني (٩٣٦) ، المغني (٢ / ٦٤٩) ، رصف المباني (١٠٦) ، ضرائر الشعر (١٨٥) ، التصريح (١٩٥٨) ، البحر المحيط (٥ / ٢ ـ ٥) ، روح المعاني (٤ / ١٦٤).
(٢) سورة يوسف ، آية (٢٦).
(٣) انظر البحر المحيط (١ / ١٠٣).
(٤) انظر البحر المحيط (١ / ١٠٣).
(٥) سورة الفرقان ، آية (٣٢).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)