لأجلكم. والفراش ما يوطأ ويقعد عليه. والبناء مصدر بنيت ، وإنما قلبت الياء همزة لتطرّفها بعد ألف زائدة ، وقد يراد به المفعول. و (أَنْزَلَ) عطف على (جَعَلَ) ، و (مِنَ السَّماءِ) متعلّق به ، وهي لابتداء الغاية. ويجوز أن يتعلّق بمحذوف على أن يكون حالا من «ما» لأنّ صفة النكرة إذا قدّمت عليها نصبت حالا ، وحينئذ معناها التبعيض ، وثمّ مضاف محذوف ، أي : من مياه السماء ماء.
وأصل ماء موه بدليل قولهم : «ماهت الرّكيّة تموه» وفي جمعه : مياه وأمواه ، وفي تصغيره : مويه ، فتحرّكت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت الفا ، فاجتمع حرفان خفيّان : الألف والهاء ، فأبدلوا من الهاء أختها وهي الهمزة لأنها أجلد منها.
وقوله : (فَأَخْرَجَ) عطف على (أَنْزَلَ) مرتّب عليه ، و (بِهِ) متعلّق به ، والباء فيه للسببية. و (مِنَ الثَّمَراتِ) متعلق به أيضا ، ومن هنا للتبعيض. وأبعد من جعلها زائدة لوجهين ، أحدهما : زيادتها في الواجب ، وكون المجرور بها معرفة ، وهذا لا يقول به بصريّ ولا كوفيّ إلا أبا الحسن الأخفش. والثاني : أن يكون جميع الثمرات رزقا لنا ، وهذا يخالف الواقع ، إذ كثير من الثمرات ليس رزقا. وجعلها الزمخشري لبيان الجنس ، وفيه نظر ، إذ لم يتقدّم ما يبيّن هذا ، وكأنه يعني أنه بيان لرزقا من حيث المعنى ، و (رِزْقاً) ظاهره أنه مفعول به ، ناصبه «أخرج». ويجوز أن يكون (مِنَ الثَّمَراتِ) في موضع المفعول به ، والتقدير : فأخرج ببعض الماء بعض الثمرات. وفي (رِزْقاً) حينئذ وجهان :
أحدهما : أن يكون حالا على أنّ الرزق بمعنى المرزوق ، كالطّحن والرّعي.
والثاني : أن يكون مصدرا منصوبا على المفعول من أجله ، وفيه شروط النصب موجودة. وإنما نكّر «ماء» و «رزقا» ليفيد التبعيض ، لأنّ المعنى : وأنزل من السماء بعض ماء فأخرج به بعض الثمرات بعض رزق لكم ، إذ ليس جميع رزقهم هو بعض الثمرات ، إنّما ذلك بعض رزقهم.
وأجاز أبو البقاء أن يكون «من الثمرات» حالا من «رزقا» لأنه لو تأخّر لكان نعتا ، فعلى هذا يتعلّق بمحذوف ، وجعل الزمخشري «من الثمرات» واقعا موقع الثمر أو الثمار ، يعني ممّا ناب فيه جمع قلة عن جمع الكثرة ، نحو : (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ)(١) و (ثَلاثَةَ قُرُوءٍ)(٢). ولا حاجة تدعو إلى هذا لأنّ جمع السلامة المحلّى بأل التي للعموم يقع للكثرة ، فلا فرق إذا بين الثمرات والثمار ، ولذلك ردّ المحققون قول من ردّ على حسان بن ثابت (٣) رضي الله عنه :
|
٢٦٦ ـ لنا الجفنات الغرّ يلمعن في الضّحى |
|
وأسيافنا يقطرن من نجدة دما (٤) |
قالوا : كان ينبغي أن يقول : الجفان ، وسيوفنا ، لأنه أمدح ، وليس بصحيح لما ذكرت لك.
__________________
(١) سورة الدخان ، آية (٢٥).
(٢) سورة البقرة ، آية (٢٢٨).
(٣) حسان بن ثابت بن المنذر الخزرجي الأنصاري أبو الوليد الصحابي شاعر النبي صلىاللهعليهوسلم وأحد المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام عاش ستين سنة في الجاهلية ومثلها في الإسلام ، توفي سنة ٥٤ ه. تهذيب التهذيب (٢ / ٢٤٧) ، الإصابة (١ / ٣٢٦) ، خزانة الأدب (١ / ١١١) ، الأعلام (٢ / ١٧٦).
(٤) البيت في ديوانه (٣٥) ، وهو من شواهد الكتاب (٢ / ١٨١) ، المحتسب (١ / ١٨٧) ، الخصائص (٢ / ٢٠٦) ، البحر (١ / ٩٨).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)