ولا تنصب الاسمين على الصحيح ، وقد تدخل «أن» في خبرها حملا على «عسى» ، قال :
|
٢٦٥ ـ لعلّك يوما أن تلمّ ملمّة (١) |
|
............... |
وقد تأتي للاستفهام والتعليل كما تقدّم ، ولكنّ أصلها أن تكون للترجّي والطمع في المحبوبات والإشفاق في المكروهات كعسى ، وفيها كلام أطول من هذا يأتي مفصّلا في غضون هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
وأصل تتّقون : توتقيون لأنه من الوقاية ، فأبدلت الواو تاء قبل تاء الافتعال ، وأدغمت فيها ، وقد تقدّم ذلك في «المتقين» ، ثم استثقلت الضمة على الياء فقدّرت ، فسكنت الياء والواو بعدها ، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين ، وضمّت القاف لتجانسها ، فوزنه الآن : تفتعون. وهذه الجملة أعني «لعلكم تتقون» لا يجوز أن تكون حالا لأنها طلبية ، وإن كانت عبارة بعضهم توهم ذلك. ومفعول تتّقون محذوف أي «تتّقون» الشرك أو النار.
(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)(٢٣)
قوله تعالى : (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ) : (الَّذِي) تحتمل النصب والرفع. فالنصب من خمسة أوجه :
أظهرها : أن يكون نصبه على القطع.
الثاني : أنه نعت لربكم.
الثالث : أنه بدل منه.
الرابع : أنه مفعول «تتقون» وبه بدأ أبو البقاء.
الخامس : أنه نعت النعت أي : الموصول الأول ، لكن المختار أن النعت لا ينعت بل إن جاء ما يوهم ذلك جعل نعتا للأول ، إلا أن يمنع مانع فيكون نعتا للنعت نحو قولهم : «يا أيّها الفارس ذو الجمّة» ، فذو الجمّة نعت للفارس لا ل «أيّ» لأنها لا تنعت إلا بما تقدّم ذكره. والرفع من وجهين : أحدهما ـ وهو الأصح ـ أنه خبر مبتدأ محذوف أي : هو الذي جعل. والثاني أنه مبتدأ وخبره قوله بعد ذلك : «فلا تجعلوا». وهذا فيه نظر من وجهين ، أحدهما : أنّ صلته ماضية فلم يشبه الشرط فلا تزاد في خبره الفاء ، الثاني : عدم الرابط إلا أن يقال بمذهب الأخفش وهو أن يجعل الربط مكرّر الاسم الظاهر إذا كان بمعناه نحو : «زيد قام أبو عبد الله» ، إذا كان أبو عبد الله كنية لزيد ، وكذلك هنا أقام الجلالة مقام الضمير كأنه قال : الذي جعل لكم فلا تجعلوا له أندادا.
و «جعل» فيها وجهان ، أحدهما : أن تكون بمعنى صيّر فتتعدّى لمفعولين فيكون «الأرض» مفعولا أول ، و «فراشا» مفعولا ثانيا. والثاني : أن تكون بمعنى «خلق» فتتعدّى لواحد وهو «الأرض» ويكون «فراشا» حالا (وَالسَّماءَ بِناءً) عطف على (الْأَرْضَ فِراشاً) على التقديرين المتقدّمين ، و «لكم» متعلّق بالجعل أي
__________________
(١) البيت لم أعثر عليه.
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)