قوله تعالى : (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) لعلّ واسمها وخبرها ، وإذا ورد ذلك في كلام الله تعالى ، فللناس فيه ثلاثة أقوال :
أحدها : أنّ «لعلّ» على بابها من الترجّي والإطماع ، ولكن بالنسبة إلى المخاطبين ، أي : لعلّكم تتقون على رجائكم وطمعكم ، وكذا قال سيبويه في قوله تعالى : (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ)(١) أي : اذهبا على رجائكما.
والثاني : أنها للتعليل ، أي اعبدوا ربّكم لكي تتقوا ، وبه قال قطرب والطبري (٢) وغيرهما وأنشدوا :
|
٢٦٣ ـ وقلتم لنا كفّوا الحروب لعلّنا |
|
نكفّ ووثّقتم لنا كلّ موثق |
|
فلمّا كففنا الحرب كانت عهودكم |
|
كلمع سراب في الملا متألّق (٣) |
أي : لكي نكفّ الحرب ، ولو كانت «لعلّ» للترجي لم يقل : ووثّقتم لنا كلّ موثق.
والثالث : أنها للتعرّض للشيء ، كأنه قيل : افعلوا ذلك متعرّضين لأن تتّقوا. وهذه الجملة على كلّ قول متعلقة من جهة المعنى باعبدوا ، أي : اعبدوه على رجائكم التقوى ، أو لتتقوا ، أو متعرّضين للتقوى ، وإليه مال المهدوي وأبو البقاء.
وقال ابن عطية : «يتّجه تعلّقها ب «خلقكم» ، لأنّ كلّ مولود يولد على الفطرة فهو بحيث يرجى أن يكون متّقيا ، إلّا أنّ المهدويّ منع من ذلك ، قال : «لأنّ من ذرأه الله لجهنّم لم يخلقه ليتّقي» ولم يذكر الزمخشري غير تعلّقها ب «خلقكم» ، ثم رتّب على ذلك سؤالين ، أحدهما : أنه كما خلق المخاطبين لعلهم يتقون كذلك خلق الذين من قبلهم لذلك ، فلم خصّ المخاطبين بذلك دون من قبلهم؟ وأجاب عنه بأنّه لم يقصره عليهم بل غلّب المخاطبين على الغائبين في اللفظ ، والمعنى على إرادة الجميع. السؤال الثاني : هلّا قيل «تعبدون» لأجل اعبدوا ، أو اتقوا لمكان «تتّقون» ليتجاوب طرفا النّظم ، وأجاب بأنّ التقوى ليست غير العبادة ، حتى يؤدّي ذلك إلى تنافر النظم ، وإنما التقوى قصارى أمر العابد وأقصى جهده.
قال الشيخ (٤) : «وأمّا قوله : ليتجاوب طرفا النظم فليس بشيء ، لأنه لا يمكن هنا تجاوب طرفي النظم ، إذ نظم اللفظ : اعبدوا ربّكم لعلكم تعبدون ، أو اتقوا ربكم لعلكم تتقون ، وهذا بعيد في المعنى ، إذ هو مثل : اضرب زيدا لعلك تضربه ، واقصد خالدا لعلك تقصده ، ولا يخفى ما في ذلك من غثاثة اللفظ وفساد المعنى». والذي يظهر به صحته أن يكون «لعلكم تتقون» متعلقا بقوله : «اعبدوا» ، فالذي نودوا ، لأجله هو الأمر بالعبادة ، فناسب أن يتعلّق بها ذلك ، وأتى بالموصول وصلته على سبيل التوضيح أو المدح الذي تعلّقت به العبادة ، فلم يجأ بالموصول ليحدّث عنه ، بل جاء في ضمن المقصود بالعبادة ، فلم يكن يتعلّق به دون المقصود. قلت : وهذا واضح.
وفي «لعلّ» لغات كثيرة ، وقد يجرّ بها ، قال :
|
٢٦٤ ـ لعلّ الله فضّلكم علينا |
|
بشيء أنّ أمّكم شريم (٥) |
__________________
(١) سورة طه ، آية (٤٤).
(٢) تقدمت ترجمته.
(٣) البيتان في أمالي ابن الشجري (١ / ٥١) ، الطبري (١ / ٣٦٥) ، القرطبي (١ / ٢٢٧).
(٤) انظر البحر المحيط (١ / ٩٦).
(٥) البيت في أوضح المسالك (٢ / ١١٨) ، شرح ابن عقيل (٢ / ٦) ، الأشموني (٢ / ٢٠٤) ، العيني (٣ / ٢٤٧) ، التصريح (٢ / ٢).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)