العامل الثانى عشر
اهتداء الصحابة رضوان الله عليهم بكتاب الله وسنة رسوله صلىاللهعليهوسلم ، يحلّون ما فيهما من حلال ، ويحرّمون ما فيهما من حرام ، ويتبعون ما جاء فيهما من نصح ورشد ، ويتعهّدون ظواهرهم وبواطنهم بالتربية والآداب الإسلامية ، دستورهم القرآن ، وإمامهم الرسول عليه الصلاة والسلام.
وما من شك أن العمل بالعلم يقرّره في النفس أبلغ تقرير ، وينقشه في صحيفة الفكر أثبت نقش ، على نحو ما هو معروف في فن التربية وعلم النفس ، من أن التطبيق يؤيد المعارف ، والأمثلة تقيّد القواعد ، ولا تطبيق أبلغ من العمل ، ولا مثال أمثل من الاتباع ، خصوصا المعارف الدينية ، فإنها تزكو بتنفيذها ، وتزيد باتباعها. قال تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً) أى هداية ونورا تفرقون به بين الحق والباطل ، وبين الرشد والغىّ ، كما جاء في بعض وجوه التفاسير. وذلك أن المجاهدة تؤدى إلى المشاهدة ، والعناية بطهارة القلوب وتزكية النفوس تفجر الحكمة في قلب العبد. قال الغزالى رحمهالله : «أما الكتب والتعليم فلا تفى بذلك (أى بالحكمة تتفجر في القلب) بل الحكمة الخارجة عن الحصر والعد ، إنما تتفتح بالمجاهدة ومراقبة الأعمال الظاهرة والباطنة ، والجلوس مع الله عزوجل في الخلوة ، مع حضور القلب بصافى الفكرة ، والانقطاع إلى الله عزوجل عما سواه ، فذلك مفتاح الإلهام ومنبع الكشف! فكم من متعلم طال تعلمه ولم يقدر على مجاوزة مسموعه بكلمة. وكم من مقتصر على المهم في التعليم ، ومتوفر على العمل ومراقبة القلب ، فتح الله له من لطائف الحكمة ما تحار فيه عقول ذوى الألباب. ولذلك قال صلىاللهعليهوسلم : «من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يكن يعلم»(١).
__________________
(١) قال الحافظ العراقى في هذا الحديث : رواه أبو نعيم في الحلية لكن بسند ضعيف
![مناهل العرفان في علوم القرآن [ ج ١ ] مناهل العرفان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4266_manahil-alirfan-fi-ulum-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
