مرتّب الآيات كذلك في كل رقعة أو عظمة ، وإن كانت العظام والرقاع منتشرة وكثيرة مبعثرة. على أننا قرّرنا غير مرة أن التعويل كان على الحفظ والتلقى قبل كل شىء ، ولم يكن التعويل على المكتوب وحده ، فلا جرم كان في الحفظ والكتابة معا ، ضمان للنظام والترتيب ، والضبط والحصر.
وأما قولهم في هذا الاحتجاج : «وقد ضاع بعضها» فيظهر أنهم استندوا في ذلك إلى ما ورد من أنه فقدت آية من آخر سورة براءة ، فلم يجدوها إلا عند خزيمة بن ثابت فظنّ هؤلاء أن هذا اعتراف منا بضياع شىء من مكتوب القرآن. وليس الأمر كما فهموا ، بل المعنى أن الصحابة لم يجدوا تلك الآية مكتوبة إلا عند خزيمة بخلاف غيرها من الآيات ، فقد كانت مكتوبة عند عدّة من الصحابة ، ومع ذلك فقد كان الصحابة يقرءونها ويحفظونها ويعرفونها بدليل قولهم : فقدت آية. وإلا فما أدراهم أنها فقدت من الكتابة لو لم يحفظوها؟.
وأما قولهم في هذا الاحتجاج أيضا : إن ضياع ذلك البعض دعا الصحابة إلى دعوى النسخ وهو من غريب المزاعم ، فهو قول أثيم أرادوا به الطعن على النسخ وإنكاره ، وسيأتيك الكلام على النسخ وحكمته ودفع الشبه عنه في مبحث خاص إن شاء الله.
(٧) وأما احتجاجهم السابع بما نسبوه إلى الحجّاج ، فهى نسبة كاذبة ، لا برهان لهم بها ، ولا دليل عليها. وها هو التاريخ ، فليأتوا لنا منه بسلطان مبين على أن الحجاج جمع المصاحف ، فضلا عن أنه نقص منها أو زاد فيها. ولو أنه فعل ذلك لنقل إلينا متواترا ، لأن هذا مما تتوافر الدواعى على نقله وتواتره! وكيف يفعل ذلك ، والأمة كلها تقرّه ، وأئمة الدين الموجودون في عهده كالحسن البصرى يسكتون ولا ينكرون ، ولا يدافعون ولا يستقتلون؟ «إن هذا إلّا اختلاق».
![مناهل العرفان في علوم القرآن [ ج ١ ] مناهل العرفان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4266_manahil-alirfan-fi-ulum-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
