تأمل حديث ابن عباس السابق وقول الرسول الله صلىاللهعليهوسلم فيه : «أقرأنى جبريل على حرف ، فراجعته ، فلم أزل أستزيده ويزيدنى حتى بلغ سبعة أحرف» وكذلك جاء في حديث لأبى بكرة أن النبى صلىاللهعليهوسلم قال : «فنظرت إلى ميكائيل فسكت فعلمت أنه قد انتهت العدة» ، يضاف إلى ذلك المراجعات الثابتة في الأحاديث الأخرى ، وإن كانت لم تبلغ ستّا صراحة ، غير أن الحديث جاء بلفظ السبعة ، فيعلم من مجموع تلك الروايات ، أنّ المراد بلفظ سبعة حقيقة العدد المعروف في الآحاد بين الستة والثمانية.
(الشاهد الثالث) أن من قرأ حرفا من هذه الحروف ، فقد أصاب شاكلة الصواب أيا كان ذلك الحرف ، كما يدلّ عليه فيما مضى قوله صلىاللهعليهوسلم : (فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا) وقوله صلىاللهعليهوسلم لكل من المختلفين في القراءة : (أصبت) وقوله صلىاللهعليهوسلم لهما في رواية ابن مسعود : (كلا كما محسن) وقوله صلىاللهعليهوسلم فيما يرويه عمرو ابن العاص : (فأىّ ذلك قرأتم أصبتم) وعدم موافقته صلىاللهعليهوسلم لعمر ، وأبىّ ، وابن مسعود ، وعمرو بن العاص ، على معارضة مخالفيهم بالطرق الآنفة فى الأحاديث السالفة. ودفعه في صدر أبىّ حين استصعب عليه أن يقرّ هذا الاختلاف فى القراءة. ولا ريب أن ذلك كله فيه معنى النهى البالغ عن منع أى أحد من القراءة بأى حرف من الأحرف السبعة النازلة.
(الشاهد الرابع) : أن القراءات كلها على اختلافها كلام الله ، لا مدخل لبشر فيها. بل كلها نازلة من عنده تعالى ، مأخوذ بالتلقى عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم. يدلّ على ذلك أن الأحاديث الماضية تفيد أن الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ كانوا يرجعون فيما يقرءون إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، يأخذون عنه ، ويتلقون منه كل حرف يقرءون عليه. انظر قوله صلىاللهعليهوسلم في قراءة كل من المختلفين : (هكذا أنزلت) وقول المخالف لصاحبه : «أقرأنيها رسول الله صلىاللهعليهوسلم».
![مناهل العرفان في علوم القرآن [ ج ١ ] مناهل العرفان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4266_manahil-alirfan-fi-ulum-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
