وكانت لغة المسيح التي بشّر بها هي العبرانية ، وهي لغة إنجيل يوحنّا الذي جاء فيه هذا التبشير ، لكنّها ترجمت إلى اليونانية ، ولم يعرف المترجم ، ولا سبب الترجمة إليها ... وضاع الأصل ، ولم يعد له وجود حتّى الآن.
والتراجم الموجودة حاليّا هي تراجم عن النسخ اليونانية .. والبشارة في اليونانية كانت بلفظة «بيركلوطوس» ومعناها : «الذي له حمد كثير».
لكن القوم حرّفوا اللفظة إلى «باراكلي طوس» لتترجم إلى المبشّر أو المسلّى أو المعزّى. (١) وجاء تعريبها «فارقليطا» كما هو معروف.
* * *
يقول الأستاذ النجّار : كنت في سنة ١٨٩٣ ـ ١٨٩٤ ميلادية طالبا بدار العلوم في السنة الاولى ، وكان يجلس بجانبي ـ في درس اللغة العربية ـ العلّامة الكبير الدكتور «كارلونلينو» المستشرق التلياني ، وكان يحضر درس اللغة العربية بتوصية من الحكومة الإيتالية. فانعقد أواصر الصحبة المتينة بيني وبينه ، وكان المرحوم «أحمد بك نجيب» يعطي محاضرات في الانفتياتر والعمومي ، وكنّا نحضرها ونعطي ملازم من كتابه «الأثر الجليل في قدماء وادى النيل». ففي ليلة السابع والعشرين من شهر رجب سنة ١٣١١ خرجنا بعد المحاظرة وسرنا في «درب الجماميز» فقال لي الدكتور «نللينو» : هذه الليلة ليلة المعراج؟ قلت : نعم. فقال : وبعد ثلاثة أيام عيد السيّدة زينب؟ فقلت : نعم ...
ثم قلت له ـ وأنا أعلم أنّه حاصل على شهادة الدكتوراة في آداب اليهود اليونانية القديمة ـ : ما معنى «بيريكلتوس»؟ فأجابني بقوله : إنّ القسس يقولون : إنّ هذه الكلمة معناها «المعزّى». فقلت : إنّي أسأل الدكتور «كارلونلينو» الحاصل على الدكتوراة في آداب اللغة اليونانية القديمة ولست أسأل قسّيسا! فقال : إنّ معناها : «الذي له حمد كثير». فقلت :
__________________
(١) جاء في إنجيل يوحنّا ، إصحاح ١٥ / ٢٦ و ٢٧ : ومتى جاء المعزّى الذي سأرسله أنا إليكم من الأب روح الحقّ الذي من عند الأب ينبثق فهو يشهد لي وتشهدون أنتم أيضا لأنّكم معي من الابتداء. وفي إصحاح ، ١٦ / ٧ : لكنّي أقول لكم الحقّ ، إنّه خير لكم أن أنطلق ، لأنّه إن لم انطلق لا يأتيكم المعزّى ، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم. وفي النسخة الفارسية جاءت عبارة «تسلّى تسلّى دهنده» : أي المسلّي.
