وأمّا مريم العذراء فلمّا تمّ أيام حملها ولدت ابنا فقمّطته وأضجعته في المذود ... ولمّا تمّت ثمانية أيّام جاءوا ليختنوا الصّبي وسمّي اليسوع ... (١)
ولنتساءل كاتب الإنجيل : هل كانت هناك ضرورة تدعو إلى تكلّم يحيى في اليوم الثامن من ولادته؟ (مع العلم أنّ المعجزات خوارق للعادات لا تظهر على يد أولياء الله إلّا حينما تدعو الضرورة إليه!).
والصحيح أنّه من سهو الكاتب إن لم يكن هناك عمد؟!
* * *
هذا ، وليس في القرآن تصريح بأنّ المسيح تكلّم في المهد حال رضاعه وقبل أوان الكلام ، ذلك أنّ الله امتنّ على المسيح إذ أيّده بروح القدس ومنح له عقلا وافرا يكلّم الناس ـ بكلام معقول ـ منذ طفولته فإلى أوان كهولته. فكان عليهالسلام منذ صغره زكيّا بارعا وافر العقل ، ينطق كما ينطق الرجل الخبير. وسنذكر محاجّته مع العلماء في أورشليم مذ بلغ من العمر اثنتي عشرة سنة بحيث أعجب الجميع كلامه. فخافت مريم عليه وعنّفته على ذلك. (٢)
وهذا هو الظاهر من قوله تعالى : (إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً). (٣)
أخرج الطبري بإسناده إلى سعيد بن جبير عن قتادة قال : يكلّمهم صغيرا وكبيرا. وهكذا أخرج بإسناده إلى الربيع بن أنس. وعن ابن جريج قال : كلّمهم صغيرا وكبيرا وكهلا ... (٤)
وهذا كقولهم : «اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد» أى منذ الصغر فإلى نهاية الكبر. والمهد كناية عن حالة الصبي في نعومة أظفاره ورخاوة هندامه ، فيضطجع فيما مهّد له من مضجع ناعم فاره.
__________________
(١) إنجيل لوقا ، إصحاح ، ١ و ٢.
(٢) قصص الأنبياء للنجّار ، ص ٣٨٧. وسنذكر الحديث بتفصيله.
(٣) المائدة ٥ : ١١٠.
(٤) جامع البيان ، ج ٣ ، ص ١٨٨.
