والسور القائم اليوم يرجع عهده كلّه تقريبا إلى اسرة «مينج» ، لكنّ الكثير من أساساته يبلغ عمرها أكثر من ألفي عام. (١) والخطّ الطويل من الطوب الرمادي يعود إلى تاريخ الصين القديم ، إذ يفصل بين طريقين للحياة ويحول بين الحياة البدوية وبين الفلّاحين المسالمين.
وبذلك يمثّل حائطا شاهقا من الحجارة والطوب والطين ، من الشرق (حيث البحر) إلى الغرب (حيث جبال تاين داغ) ، وبذلك يحكم حصر صحراء «جوبي» تماما في الشمال وعزلها عن سهول الصين الخصبة الكثيرة الأمطار والأنهار والخيرات والعظيمة التحضّر بشعبها العريق ، من فجر التاريخ ، منذ (٤٠٠٠) أربعة آلاف سنة!
ولم يقتصر اهتمام الإمبراطور «تشن شيه هوانج» على حماية بلاده من قبائل المغول الهمج في صحراء منغوليا (جوبي) وتوفير الأمن للبلاد. بل تعدّاها إلى سنّ قوانين وتشريعات جديدة لتوحيد نظم الحكم والقضاء على الإقطاع.
وبذلك تبيّن أنّ هذا السور العظيم ، ليس بذلك السدّ المنيع الذي بناه ذو القرنين ، حسبما جاء في القرآن. إذ هذا مبنيّ من الحجر والطوب والصاروج ، وذاك مبنيّ من زبر الحديد المفرغ عليها صهير النحاس. (٢)
ويقول «ول ديورانت» في وصفه عن هذا السور العظيم : «إنّ «شي هونج ـ دي» لمّا بلغ الخامسة والعشرين بدأ يفتح البلاد ويضمّ الدويلات التي كانت الصين منقسمة إليها من زمن بعيد ، فاستولى على دولة «هان» في عام (٢٣٠) ق. م ، وعلى «چو» في عام (٢٢٨) وعلى «ويه» في عام (٢٢٥) ، وعلى «تشو» في عام (٢٢٣) ، وعلى «ين» في عام (٢٢٢). واستولى أخيرا على دولة «تشي» المهمّة في عام (٢٢١) ، وبهذا خضعت الصين لحكم رجل واحد ، لأوّل مرّة ، منذ قرون طوال ، أو لعلّ ذلك كان لأوّل مرّة في التاريخ كلّه. ولقّب الفاتح نفسه باسم «شيء هونج ـ دي» ، ثمّ وجّه همّه إلى وضع دستور ثابت دائم
__________________
(١) بني السور بعد سنة ٢٢١ ق. م. على يد «تشن شيه هوانج» الذي قام بإعادة الأمن إلى بلاده منذ تلك السنة.
(٢) راجع : مفاهيم جغرافية ، ص ١٢٨ ـ ١٣٠ ؛ وذو القرنين لمحمد خير رمضان ، ص ٣٤٩ ـ ٣٥١.
