لإمبراطوريّته الجديدة.
وكان الرجل قويّ الشكيمة ، عنيدا لا يحول عن رأيه ، وكان عقد العزم على أن يوحّد بلاده بالدم والحديد.
ولمّا أن وحّد بلاد الصين وجلس على عرشها ، كان أوّل عمل قام به أن حمى بلاده من الهمج البرابرة المجاورين لحدودها الشماليّة ، وذلك بأن أتمّ الأسوار التي كانت مقامة من قبل عند حدودها ، ووصلها كلّها بعضا ببعض. وقد وجد في أعدائه المقيمين في داخل البلاد موردا سهلا يستمدّ منه حاجته من العمّال لتشييد هذا البناء العظيم الذي يعدّ رمزا لمجد الصين ودليلا على عظيم صبرها. وهو أضخم بناء أقامه الإنسان في جميع عصور التاريخ. ويقول عنه «ولتير» : إنّ أهرام مصر إذا قيست إليه لم تكن إلّا كتلا حجريّة من عبث الصبيان لا نفع فيها». (١)
إذن فمن غريب الأمر ما ذهب إليه بعضهم من أنّ هذا السور هو السدّ الذي بناه ذو القرنين!
قال الاستاذ محمد خير رمضان يوسف : ما كنت أظنّ أنّ الخطأ في التحقيق يصل بالبعض إلى هذا الحدّ ... فقد خلط بين السدّ والسور ، رغم أنّه يعرف الفارق الكبير بينهما ، من حيث الطول أو الهيئة أو المكان!
فيذكر الاستاذ الطبّاخ : أنّه لا ينافي أن يكون السدّ (سور الصين) من آثار ذي القرنين ، لأنّ البنّائين إنّما هم صينيّون ، وهو مقتضى قوله تعالى : (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ)(٢) أي بقوّة فعلة أو بما أتقوّى به من الآلات ... وهذا لا ينافي أيضا أن ينسب بناؤه إلى ملك الصين الذي كان في ذلك الزمن ، حيث إنّه كان بطلب منه وعمل على مرأى منه ، إلّا أنّه لمّا كان ضعيفا لا يتمكّن من عمله بنفسه ورعيّته ، وكان عدوّه قويّا ليس في الوسع مقاومته وردّ غارته ، استنجد بذي القرنين ، لمّا وصل إليه دفع ذي القرنين من الجنود ما لا قبل لأحد بها ، فاضطرّ المغوليّون إلى السكوت وعدم الممانعة ، فتمكّن الصينيّون بمعونة ذي القرنين
__________________
(١) قصّة الحضارة ، ج ٤ ، ص ٩٧ ـ ٩٨.
(٢) الكهف ١٨ : ٩٥.
