من أقوام التتر الهمج يتدفّقون على شمال فارس ، عبر هذا الشريط الساحلي الذي بلغ اتّساعه (٣٠ ميلا) (١) بين بحر قزوين وجبال قوقاز.
لذلك قام أنوشيروان ببناء جدار متين من الصخور الغلاظ ، ممتدّا من سفوح جبال قوقاز حتى مياه البحر ، وآخذا فيه بعض الشيء ـ على ما ذكره المسعودي والحموي ـ (٢) حتى التحم الجدار مع الجبال تماما.
* * *
وهل كان أنوشيروان هو الذي تبنّى بناء جدار دربند ، أم كان هو القائم بتجديد بنائه بعد انهيارات حصلت في أطرافه وتضعضع وأشرف على الخراب ، فأعاد أنوشيروان بناءه على اسس متينة وعلى استحكام بالغ بقي طيلة قرون. (وقد كان قائما حتى عهد المسعودي سنة ٣٢٣ ه)؟
يبدو من كتاب تاريخ كرمان : أنّ الجدار كان قد بني قبل ذلك بما أثّر فيه طول العهد
__________________
(١) حسب تقديره الآن وقد انحسر البحر أكثر. وو قد قدّره الحموي آنذاك على عهد الملك أنوشيروان بسبعة فراسخ ، كلّ فرسخ ثلاثة أميال اليوم ، فقد اتّسع هذا الشريط بعد ألفي عام بعرض عشرة فراسخ.
(٢) قال الحموي : وعلى مدينة باب الأبواب (دربند) سور من الحجارة ممتدّ من الجبل طولا ، ومع طول السور فقد مدّت قطعة في البحر شبه أنف طولاني ليمنع من تقارب السفن من السور ، وهي محكمة البناء موثّقة الأساس من بناء أنوشيروان. وهي أحد الثغور الجليلة العظيمة ، لأنّها كثيرة الأعداء الذين حفّوا بها من امم شتّى وألسنة مختلفة وعدد كثير. قال : وأقام أنوشيروان يبني الحائط بالصخر والرصاص ، ثمّ قاده في البحر. وقد أحكم هذا الممتدّ في البحر بحيث لا يتهيّأ سلوكه ، وقد بناه بالحجارة المنقورة المربّعة المهندمة ، لا يقلّ أصغرها خمسون رجلا ، وقد أحكمت بالمسامير والرصاص ، والقيت في قرار البحر حتى اعتلى السور على وجه البحر بما استوى مع الذي في البرّ في عرضه وارتفاعه. وقدّر طول الحائط من البحر إلى سفح الجبل بسبعة فراسخ. معجم البلدان ، ج ١ ، ص ٣٠٣ ـ ٣٠٥. وذكر المسعودي أنّ كسرى أنوشيروان بنى السور من جوف البحر بمقدار ميل (٤٠٠٠ ذراع) بالصخر والحديد والرصاص ، ويسمّى هذا الموضع من السور في البحر : الصدّ. وهو باق إلى وقتنا هذا ، وهو سنة (٣٣٢ ه) مانعا للمراكب في البحر إن وردت من بعض الأعداء. ثمّ مدّ السور في البرّ ما بين الجبل والبحر. وزاد : أنّه مدّ السور حتى أعالي الجبال ومنخفضاته وشعابه (أي سدّ جميع الخلل والفرج هناك) نحوا من أربعين فرسخا إلى أن ينتهي إلى قلعة «طبرستان». مروج الذهب ، ج ١ ، ص ١٧٦ و ٢٦٤. قلت : ولعلّه الصاروج بدل الرصاص وقد التبس عليهم ، لوجود المشابهة شكليّا وبعد مرور ألف عام على بنائه. والصاروج : خليط من حجر الكلس وأملاح الكلسيوم والباريوم محروق القصب وغيرها ، يستعمل في طلاء الجدران والأحواض والحمّامات. صنعة قديمة استخدمت في اسس البنايات الضخمة وأعمدة الجسور ولمخازن المياه ، لمقاومتها تجاه تأثير الرطوبة واستحكامها عن كلّ مؤثّرات الجوّ والمحيط. وهي على مقاومة الإسمنت في هذا العصر.
