هم قوم «يأجوج ومأجوج» الذين حدّث عنهم القرآن وحذّر بطشهم.
جاء في كتاب بعثه إلى محمّد خوارزم شاه يؤنّبه على تعسّفه في سياسته الغاشمة وقتله الودعاء من أصحابه (التجّار المغل) ونهب أموالهم زورا. (١) متوعّدا له شرّ الانتقام إن هو لم يتلاف الخرق قبل توسّعها.
جاء في الكتاب : «... كيف تجرّأتم على أصحابي ورجالي وأخذتم تجارتي ومالي ، وهل ورد في دينكم أو جاز في اعتقادكم ويقينكم أن تريقوا دم الأبرياء أو تستحلّوا أموال الأتقياء أو تعادوا من لا عاداكم وتكدروا صفو عيش من صادقكم وصافاكم. أتحرّكون الفتنة الخامدة وتنبّهون الشرور الكامنة؟! أو ما جاءكم عن نبيّكم ... أن تمنعوا عن السفاهة غويّكم وعن ظلم الضعيف قويّكم؟! أو ما أخبركم مرشدوكم ومحدّثوكم عنه قوله : اتركوا الترك ما تركوكم؟! وكيف تؤذون الجار وتسيئون الجوار ونبيّكم قد أوصى بهم ... فتلافوا هذا التلف قبل أن ينهض داعي الانتقام وتقوم سوق الفتنة ويظهر من الشرّ ما بطن ويروج بحر البلاء ويموج ، وينفتح عليكم سدّ «يأجوج ومأجوج» وسينصر الله المظلوم ، والانتقام من الظالم أمر معلوم ، ولا بدّ أنّ الخالق القديم والحاكم الحكيم يظهر سرّ ربوبيّته وآثار عدله في بريّته ، فإنّ به الحول والقوّة ومنه النصرة مرجوّة ، فلترونّ من جزاء أفعالكم العجب ، ولينسلنّ عليكم يأجوج ومأجوج من كلّ حدب ... (٢)
__________________
(١) ذكر ابن الأثير أنّ جنكيزخان المعروف بتموجين كان قد فارق بلاده وسار إلى نواحي تركستان ، وسيّر جماعة من التجّار والأتراك ومعهم شيء كثير من النّقرة والقندر (حيوان بحري يصنع من جلده الفرو) وغيرهما ، إلى بلاد ما وراء النهر (سمرقند وبخارا) ليشتروا به ثيابا للكسوة. فوصلوا إلى مدينة من بلاد الترك تسمّى «اوترار» وهي آخر ولاية خوارزم شاه. وكان له نائب هناك ، فلمّا ورد عليه هذه الطائفة من التتر أرسل إلى خوارزم شاه يعلمه بوصولهم ويذكر له ما معهم من الأموال. فبعث إليه خوارزم شاه يأمرهم بقتلهم وأخذ ما معهم من الأموال وإنفاذه إليه. فقتلهم وسيّر ما معهم وكان شيئا كثيرا. فلمّا وصل إلى خوارزم شاه فرّقه على تجّار بخارى وسمرقند وأخذ ثمنه مهم. وسرعان ما ندم خوارزم شاه على صنيعه هذا وأشغل فكره فهمّ بمهاجمة جنكيزخان قبل أن يهاجمه في جموعه وعساكره التي أخبر جواسيسه عنها بأنّها لا تحصى. فاستشار امراءه في ذلك ، وبينما هم كذلك إذ ورد رسول جنكيزخان ومعه جماعة يهدّد خوارزم شاه ويقول : تقتلون أصحابي وتجّاري وتأخذون مالي منهم! استعدّوا للحرب فإنّي واصل إليكم بجمع لا قبل لكم به. لكن خوارزم شاه بدل أن يستميل جنكيزخان من صنيعه هذا القبيح ، أمر بقتل الرسول وحلق لحى الجماعة الذين كانوا معه وأعادهم إلى صاحبهم جنكيزخان يخبرونه بما فعل ، ويقولون له : إنّ خوارزم شاه يقول لك : أنا سائر إليك ولو أنّك في آخر الدنيا حتّى أفعل بك كما فعلت بأصحابك ... الكامل في التاريخ ، ج ١٢ ، ص ٣٦١ ـ ٣٦٤.
(٢) تفسير الشيخ طنطاوي ، ج ٩ ، ص ٢٠٤.
