فسّرنا «من دونهما» بما قبل السّدّين لا الوراء كما سبق.
وقد اتّخذ كورش طريقه إليهم متوجّها شمالا عبر إقليم كردستان الجبلي الوعر الذي يعتلي ظهر المرتفعات الآسيويّة وسلاسل الجبال على محاورها المنتشرة في موقع يضمّ بعضا من شمال العراق وشرق أو جنوب شرق تركيا وبعضا من غرب إيران. ويسكنه الأكراد منذ سنة (٢٤٠٠ ق. م.) والإقليم به معابر مشهورة لمرور التجارة بقوافلها وفيالق الحروب بجحافلها ، وهي معابر تتّجه على محور عام يخدم الصلات والعلاقات فيما بين قلب آسيا وشرقها الأقصى وآسيا الصغرى والشام. وقد احترف الأكراد ـ علاوة على تمرير التجارة ـ حرفة الرعي واقتنوا قطعانا من الأغنام والماعز ، وعاشوا عيشة البداوة والحركة في حركات فصليّة شبه منتظمة سعيا وراء المرعى وتأمين العشب لقطعان أغنامهم.
وعلى ذلك فقد عبر كورش إقليما متضرّسا وعرا ، غنيّا بالموارد الاقتصاديّة المتاحة تكفل تأمين إطعام الجيوش الفارسيّة ، وانحرف شمالا بشرق حتى بلغ بحيرة أروميّة التي يصبّ فيها نهر طلخة وهي أكبر بحيرات فارس ، وتقع في الشمال الغربي من فارس في إقليم آذربيجان ويبلغ طولها ١٣٠ كم وأقصى عرضها بلغ ٥٠ كم. وهي بحيرة ضحلة قليلة الغور لا يزيد عمقها على ٢١ مترا. وعلى صخرة «كورجين» تقع قلعة قديمة تشرف على البحيرة قبالة شاطئ «سلماس». ووجد فيها نقش يشير إلى عراقتها في القدم. ويبدو أنّ كورش آثر محاذاة شواطئ بحر قزوين (خزر) بحيث يكون البحر عن يمينه وهو متّجه نحو الشمال إلى جبال قوقاز. ومعنى ذلك أنّه سلك ضفاف نهر طلخة نحو الإقليم الساحلي لبحر قزوين. والإقليم عبارة عن سهول ضيّقة تتّسم بالدفء ، لأنّ ارتفاعها قليل وقد ينخفض دون سطح البحر ، ويندر أن يحدث الصقيع (الجليد) هناك في الشتاء ، كما يندر أن ترتفع درجة الحرارة في الصيف عن ٣٢. ولكن الرطوبة شديدة ، وتكثر الأمطار وتتوزّع على مدار السنة ، وبسبب هذه الأمطار الغزيرة تنمو الغابات النفضيّة مثل البلوط والدردار ، وهي التي تنفض أي تسقط أوراقها في فصل الشتاء.
