ولكن الحائط الجبلي كان منثلما من وسطه بثغرة (مضيق جبلي) (١) مخيفة ، اتّخذها الغزاة المتوحّشون معبرا نحو الشعوب المسالمة في ظهرانيه ، حيث كانت تتعرّض باستمرار لهجمات اولئك البرابرة المتوحّشين.
كان قد قضى الملك الهخامنشي العظيم «كورش» ثماني سنوات (٢) في تأديب وإخضاع قبائل غيدروسيا الهمجيّة في صحاري سيستان ومكران وبلوچستان ، وزحزح حدود الإمبراطوريّة حتّى حدود نهر «سيحون» حيث بنى مدينة باسمه على شاطئ هذا النهر ، فكانت هذه المدينة تسمّى إبّان عصر الإسكندر «المدينة الأقصى الكورشي» ويعتقد أنّها مكان مدينة «اوراتپّه» الحاليّة.
ووجد كورش أنّه الأوان لتأديب الشعوب المتوحّشة التي كانت تغير عبر مضيق داريال في جبال قوقاز ، على شعوب إماراته الطيّبة في آذربيجان وجورجيا وإرمينيا جنوب الحائط الجبلي الرهيب الذي يسمّى جبال القوقاز التي تمتدّ من بحر قزوين في الشرق عند مدينة «دربند» حتّى «سرخوم» على البحر الأسود. فتوجّه إليها سنة ٥٣٧ ق. م. وقضى بالإقليم حوالي تسع سنوات متوالية ، (٣) ما بين بناء السدّ عبر المضيق وتأديب قبائل الأسكوذيّين أو «الماساجيت» أو «يأجوج ومأجوج» على حدّ تعبير القرآن. (٤)
وحيث إنّ كورش قد وصل إلى الحائط الجبلي العظيم (جبال قوقاز) فهذا معناه أنّه عبر كردستان وآذربيجان وإرمينيا وجورجيا ، ووصل إلى أجزاء من داغستان ، حتّى مدينة «دربند» وما حولها ، وكذلك إقليم اوسنينا الجنوبيّة ، ويكون شمال هذا الحدّ حائط القوقاز الجبلي ، ذو فتحة في منتصفه تسمّى مضيق «داريال» حيث تقيم جماعات يأجوج ومأجوج ، وإلى الجنوب من هذا الخطّ الجبلي كانت تقيم جماعات مجرّدة من الحضارة ، وصفهم القرآن بقوله : (لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً) أي يعسر التفاهم معهم. هذا إن
__________________
(١) سنذكر أنّه مضيق داريال.
(٢) حسبما ذكره حسن پيرنيا : أنّه قضى تجواله العسكري في شرق وشمال إيران لمدّة ٨ سنوات. تاريخ إيران ، ص ٦٨.
(٣) حسبما ذكره الدكتور عبد العليم : أنّه قضى بالإقليم حوالي تسع سنوات. مفاهيم جغرافيّة ، ص ٢٧٣. هذا إن قلنا بأنّها كانت بعد فتح بابل كما قيل. تاريخ إيران ، ص ٦٨.
(٤) مفاهيم جغرافية ، ص ٢٧٣.
