السماوات والأرض ومسيّر الأفلاك القابض الباسط العظيم المتعال.
لقد تضاءل ـ رغم ملكه العريض ـ أمام سقوط الشمس في عين حمئة ، حيث أظلمت الدنيا بعدها ، فعرف أنّ لكلّ شيء نهاية ، وكلّ شيء هالك إلّا وجه الله الكريم. لقد توصّل كورش ـ بما لديه من خلفيّة روحيّة استمدّها من زرادشت ـ إلى حقيقة البعث والممات ، وعظمة الله في الآفاق.
هذا هو شعب ليديا قد صار في قبضته ، فما ذا يفعل بهم؟
لقد منح الله ذا القرنين حرّية اختيار العفو عنهم أو تأديبهم والتنكيل بهم ... واختار ذو القرنين العفو عمّن تاب وآمن. وقال : من كان هذا شأنه فسماح وعطف ويسر وتكريم وأمان ورحمة. ومن كفر وطغى وتجبّر فضرب بالأعناق وعنف وتأديب.
قال تعالى : (فَأَتْبَعَ سَبَباً حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً. قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ... قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً). (١)
نحو مغرب الشمس!
نعم قام كورش بحملة نحو المغرب (غرب بلاد فارس) حيث مغرب الشمس بالنسبة إليهم.
والشمس لا تغرب في مكان محدّد تهوي إليه حتّى الصباح الثاني. وإنّما أيّ مكان في الكرة الأرضيّة تغرب فيه الشمس عند الافق يسمّى مغرب الشمس ، وبالتالي فمغرب الشمس شيء نسبيّ ... قد يراه ابن الصحراء وراء التلال ، وهو بالنسبة له مغرب الشمس ، وقد يراه ابن السهل الساحلي شاطئ البحر ، وقد يكون سطح البحر المنحني مغربا للشمس في نظر الرائي ، وما هي ـ آنذاك ـ إلّا مشرقة عند قوم آخرين.
__________________
(١) الكهف ١٨ : ٨٦ ـ ٨٨.
