وهذا هو إلهام الشرّ الشيطاني. أمّا إلهام الخير الرحماني ، فهو كما بشأن أمّ موسى : (وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ ...). (١) وأوحينا بمعنى ألهمنا ، في القرآن كثير.
وهكذا «قلنا» حديثا مع ذوات الأنفس وليس مشافهة بالكلام. وليس بشأن الإنسان فحسب ، بل بشأن الحيوان والجماد ، أيضا كثير.
فجاء حديثا مع أصحاب البقرة : (فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ). (٢) إذ لم يكن خطاب مشافهة ، ولا دليل على أنّه بواسطة الرسول. والمحتمل قويّا هو إيحاء هذا المعنى كما في أمّ موسى.
وهكذا قوله بشأن بني إسرائيل ـ بعد هلاك فرعون ـ : (وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ ...). (٣) إلقاء في النفوس بطبيعة الحال.
وكان الخطاب مع النار في قوله تعالى : (قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ)(٤) أيضا من قبيل إيحاء إرادته تعالى ، لكن تكوينا. نظير الإيحاء إلى النحل والنمل وسائر الحيوان ليسلكوا سبل ربهم ذللا.
ومن هذا القبيل قوله تعالى بشأن مردة بني إسرائيل : (فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ). (٥) لم يكن خطاب تكليف بل خطاب تكوين.
وهكذا الحديث مع الأرض والسماء في قوله تعالى : (وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي ...). (٦) (فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ). (٧)
فلا غرابة بعدئذ أن يأتي بشأن الإيحاء ـ نفسيّا ـ إلى عبد من عباد الله الصالحين : (قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً. قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ... وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً.)(٨)
وهذا عند ما سار كورش متوجّها في فتوحاته نحو الغرب لتسخير بلاد ليديا ، (٩)
__________________
(١) القصص ٢٨ : ٧.
(٢) البقرة ٢ : ٧٣.
(٣) الإسراء ١٧ : ١٠٤.
(٤) الأنبياء ٢١ : ٦٩.
(٥) البقرة ٢ : ٦٥.
(٦) هود ١١ : ٤٤.
(٧) فصّلت ٤١ : ١١.
(٨) الكهف ١٨ : ٨٦ ـ ٨٨.
(٩) مملكة قديمة غربيّ آسيا الصغرى ممّا يلي بحر إيجة. كانت قاعدة ملكها مدينة «سارد» الزاهية بفخامتها يوم ذاك.
