لكن لا مبرّر لهذا الحسبان بعد أن كان لهذه الكلمة أصل عربي خالص ولها سابق التعبير في جاهلية العرب. قال اميّة بن أبي الصلت :
|
سبحانه ثمّ سبحانا يعود له |
|
وقبله سبّح الجوديّ والجمد |
الجودي ـ من الجود ـ : الربوة من الأرض تجود بنباتها إذا أصابها وابل آتت أكلها ضعفين. والجمد : الحزنة من الأرض تجمد بنباتها وتبخل سواء أصابها وابل أو طلّ.
قال أبو مسلم الأصبهاني : الجودي اسم لكلّ جبل وأرض صلبة. (١) في مقابلة الرخوة أي استقرّت على مرتفع من الأرض غير ذات وحل ، وكانت ذات بركة عليه حينما نزل بها.
(قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ). (٢) فأوّل مفاتح البركات نزوله بأرض ذات بركة وجود.
وأين هذا من حسبان نزوله في أعالي جبال شامخات ترتفع عن الأرض السهلة بخمس كيلومترات؟!
وهل كان نزوله حينذاك بسلام وبركات أم بشقاء وعناء؟!
(حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ)(٣)
هذه العبارة «وفار التنّور» إمّا كناية عن فورة سخطه تعالى بمعنى : وثار غضب الربّ ، كما يقال : فار فائره إذا اشتدّ غضبه. وبنو فلان تفور علينا قدرهم أي يشتدّ غضبهم علينا.
قال الشاعر :
|
تفور علينا قدرهم فنديمها |
|
ونفثؤها عنّا إذا حميها غلا (٤) |
وهكذا فار تنّورهم أي احتدّ سخطهم وثارت نائرتهم. فمعنى «فار التنّور» : حمى
__________________
(١) مجمع البيان ، ج ٥ ، ص ١٦٥.
(٢) هود ١١ : ٤٨.
(٣) هود ١١ : ٤٠.
(٤) أساس البلاغة للزمخشري ، ج ٢ ، ص ٢١٧. وفثأ القدر ـ بالثاء المثلّثة ـ : إذا صبّ عليه ماء باردا ليفتر غليانه.
