وما زالت المنطقة المحيطة بجبل الجودي إلى يومنا هذا حافلة ـ كالمنطقة المحيطة بجبل آراراط ـ بالأساطير والذكريات المتّصلة بقصّة الطوفان وحياة نوح بعد إذ غادر السفينة. (١)
* * *
وهكذا نرى الجغرافيّ الكبير ياقوت الحموي (ت ٦٢٦) متأثّرا بتلكم الأساطير المسطّرة ، يقول : الجوديّ جبل مطلّ على جزيرة «ابن عمر» في الجانب الشرقي من دجلة من أعمال الموصل. عليه استوت سفينة نوح عليهالسلام.
ثمّ يذكر نصّ التوراة ـ مستشهدا به ـ : «... واستقرّت السفينة على الجودي في شهر كذا ويوم كذا ... ويقول : هذا تعريب التوراة حرفا حرفا». (٢)
ما ندري ما ذا كان الأصل حتى ترجمه إلى ذلك. ولعلّه لقّن بذلك ـ وهو روميّ الأصل ـ من بعض الأرامنة المسيحيّين. وهكذا لقّن أبناء الإسلام بأوهام جاءتهم من قبل أهل الكتاب!
هذا ، ومن ورائهم زرافات من المفسّرين سواء في الغابر والحاضر ـ مع الأسف ـ من غير تريّث ولا تحقيق ، وكم له من نظائر في مواضع من التفسير ، أشهرها وأشنعها تفسيرهم ذا القرنين بالإسكندر الكبير!
ومن مضاعفات هذا الزعم ـ كما نبّه عليه المحقّق الشعراني ـ (٣) القول بعموم الطوفان المستحيل. (٤) إذ لازمه أن يكون الماء قد غمر رءوس الجبال الشامخات ، حيث رست السفينة ـ بعد ما أخذت المياه في النضوب ـ على قمّة جبل ترتفع خمس كيلومترات!
وممّا يجدر التنبّه له : أنّ القوم حسبوا من كلمة «الجودي» ـ باعتبارها اسم جبل ـ أنّها أعجمية معرّبة ، فراحوا يجوبون البلاد علّهم يعثروا على ذلك الأصل أهو «جورداين» أو «جورداي» أو «قوردو» أو غيرها؟
__________________
(١) راجع : دائرة المعارف الإسلامية المترجمة إلى العربية ، ج ٧ ، ص ١٦١ ـ ١٦٣ (الجودي).
(٢) معجم البلدان ، ج ٢ ، ص ١٧٩.
(٣) معجم لغات القرآن للشعراني ، ج ١١ ، ص ١٤٤.
(٤) عادة في الطبيعة. ولا ضرورة تدعو إلى مثل هذا الإعجاز!
