غضب الربّ وإمّا أن نأخذ التعبير على حقيقته ليكون التنّور مفجر الماء.
غير أنّ التنّور ـ في أصله ـ اسم لما يخبز فيه ، والكلمة فارسيّة واستعملتها العرب بلا تحوير.
قال ابن دريد : التنّور فارسيّ معرّب. لا تعرف العرب له اسما غير هذا ، فلذلك جاء في التنزيل لأنّهم خوطبوا بما يعرفون.
وقال ابن قتيبة : روي عن ابن عبّاس أنّه قال : التنّور بكلّ لسان ، عربىّ وعجمي. (١)
واستعير لمفجر الماء. والتنانير : ينابيع الماء ، حيث تفور كما يفور التنّور بالنار.
قال الفيروزآبادي : التنّور : كلّ مفجر ماء ، ومحفل ماء الوادي أي مجتمعه. وتنانير الوادي محافله (مواضع تجتمع فيها المياه) وهي الوهاد والمستنقعات في البراري.
ومعنى الآية على ذلك : وفارت تنانير الأرض أي فاضت ينابيعها وثارت.
وهكذا جاء التعبير في سورة القمر : (فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ. وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ. وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ). (٢)
(فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً)(٣)
وهل يعيش إنسان في مثل هذا العمر الطويل؟ الأمر الذي لم يكد يكون معروفا وحتّى في القرون الماضية ، هؤلاء الفراعنة في مصر نجد أجسامهم كأجسام أهل هذه الأيام وأعمارهم لم تختلف عن أعمارنا وقد مرّ لهم أربعون قرنا أو أكثر ، فكيف يكون ذلك؟
يقول الاستاذ عبد الوهاب النجّار : لا مانع من أن يعمّر آدم ومن قرب منه أعمارا طويلة ، لأنّ النوع الإنساني كان في بدء نشأته لم يحمل هموما ولم تعتوره الأمراض المختلفة ولم تنهك قوّته الأطعمة التي لا يقدر على هضمها ، فكان من المعقول أن يعيش طويلا. وأمّا نحن وأمثالنا ممّن كانوا قبل أربعين قرنا فقد جئنا بعد أن أنهكت النوع
__________________
(١) المعرّب لأبي منصور الجواليقي ، ص ٢١٣. وراجع : جمهرة اللغة لابن دريد ، ج ٣ ، ص ٥٠٢ ، وج ٢ ، ص ١٤ ؛ وأدب الكاتب لابن قتيبة ، ص ٣٨٤.
(٢) القمر ٥٤ : ١١ ـ ١٣.
(٣) العنكبوت ٢٩ : ١٤.
