أوّلا ـ كيف يصف هذه القصص بأنّها من التراث الشعبي والتي كان يعرفها العرب المعاصر لمحمّد ، وبالأحرى أن يكون محمّد صلىاللهعليهوآله أعرف بها من غيره ... هذا في حين أنّ القرآن يباريهم بأنّها من الآثار التي كان يجهلها محمّد وقومه من قبل؟
هو عند ما يذكر قصّة نوح والطوفان والسفينة بتفصيل وبيان ، يعود فيقول : (تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا ...). (١) فلو كانت العرب تعرفها وتعدّها من تراثها الشعبي الدارج ، لكانت أولى بالردّ على هذا التحدّي الصارخ!
وكذا عند ما ينتهي من قصّة يوسف وإخوته يقول : (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ. وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ). (٢)
وهكذا بشأن الصدّيقة مريم وبشرى الملائكة لها يقول : (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ. وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ. وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ). (٣)
فلو كان أهل الكتاب يعرفون التفاصيل المروعة والتي جاءت في القرآن نقيّة زاكية ، لكانوا أولى بمجابهته وهم أشدّ المناوئين للإسلام ولرسالة محمّد صلىاللهعليهوآله!
لكنّهم (العرب واليهود والنصارى) عرفوا الصدق والأمانة في القرآن ، فلم يلهجوا بشيء سوى مناوئته عن طريق التواطؤ على العداء الغاشم.
أفهل من المعقول أن يكون محمّد قد أخذ تلك الأقاصيص من أفواه العرب وأهل الكتاب وقصّها عليهم ، ثمّ تحدّاهم بها ، وهؤلاء جميعا سكتوا عليها من غير إجابة صارمة؟!
فما لكم ـ يا أهل الفكرة الإسلاميّة الحديثة!! ـ كيف تحكمون؟!
ثانيا ـ ما وجه الاستغراب أو الإنكار لصحّة تلك الأحداث التي قصّها القرآن ، والتي دعت البعض (وهم أصحاب الإلحاد) إلى فرضها مسرحيّات تمثيليّة ، والبعض الآخر (وهم أهل الفكرة الإسلاميّة الحديثة ـ أو العقل الإسلامي الحديث) إلى فرضها
__________________
(١) هود ١١ : ٤٩.
(٢) يوسف ١٢ : ١٠٢.
(٣) آل عمران ٣ : ٤٤.
