فقد اتّضح أنّ القرآن كان يأخذ الناس بتصوّراتهم ويأخذهم بالعرف والعادة وأنّه كان يفعل هنا ما كان يفعله في امور التشريع من أخذ الناس بعاداتهم ومن تغيير هذه العادات تدريجيّا ، الأمر الذي من أجله كان النسخ في التشريع.
فقد وضح أنّ القرآن قد قصّ في القصص التي كانت موطن الاختبار لمعرفة نبوّة النبي صلىاللهعليهوآله وصدق رسالته ما يعرفه أهل الكتاب عن التاريخ ، لا ما هو الحق والواقع من التاريخ ، وأنّه من هنا لا يجوز الاعتراض على النبي صلىاللهعليهوآله وعلى القرآن الكريم بأنّ هذه الأقاصيص أخطاء من أخطاء التاريخ!
وبعد فنلفت ذهن القارئ إلى أنّه إذا وضح لديه الوضوح الكافي أنّ القصّة القرآنيّة قد قصد منها إلى التاريخ ، فإنّه يتعيّن عليه أن يؤمن بما جاء فيها على أنّه التاريخ ، وذلك كتقرير القرآن لمسألة مولد عيسى عليهالسلام وتقريره لمسألة إبراهيم عليهالسلام وأنّه لم يكن يهوديّا ولا نصرانيّا.
أمّا تلك التي يقصد منها إلى العظة والعبرة وإلى الهداية والإرشاد فإنّه لا يلزم أن يكون ما فيها هو التاريخ ، فقد تكون المعارف التأريخيّة عند العرب أو عند اليهود ، وهذه المعارف لا تكون دائما مطابقة للحقّ والواقع ، واكتفاء القرآن بما هو المشهور المتداول ، أمر أجازه النقد الأدبي وأجازته البلاغة العربيّة وجرى عليه كبار الكتّاب. ومن هنا لا يصحّ أن يتوجّه اعتراض على النبي صلىاللهعليهوآله أو على القرآن الكريم! (١)
* * *
وبعد فهذا الذي ارتآه الاستاذ خلف الله ، كان قد سبقه إلى ذلك الكاتب الشهير طه حسين في كتابه «في الشعر الجاهلي» والاستاذ علي عبد الرزاق في كتابه «الإسلام واصول الحكم» وغيرهما حتّى أصبح ذلك من ميزات الفكر الإسلامي الحديث ، وربّما أثار ضجّة في الأوساط الدينيّة ولا يزال. وأخيرا قام الاستاذ خليل عبد الكريم بعرض وتحليل القصص القرآني بصورة نقد وتعليق على كتاب الفنّ القصصي في القرآن للاستاذ
__________________
(١) الفن القصصي في القرآن ، ص ٨٧ ـ ٩١.
