الأوّل ـ وهو الصحيح ـ : أنّ النّاس لما اعتقدوا في الملائكة كمال الفضل في الصورة والسيرة ، واعتقدوا في الشياطين نهاية القبح والتشويه في الصورة والسيرة ، فكما حسن التشبيه بالملك عند تقرير الكمال والفضيلة في قوله (إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ)(١) فكذلك وجب أن يحسن التشبيه برءوس الشياطين في القبح وتشويه الخلقة». (٢)
وجاء في الكشاف عند تفسيره لقوله تعالى : (لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ)(٣) ما يأتي : «لا يقومون إذا بعثوا من قبورهم إلّا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان أي المصروع. وتخبّط الشيطان من زعمات العرب ، يزعمون أنّ الشيطان يخبط الإنسان فيصرع. والخبط : الضرب على غير استواء ، كخبط العشواء. فورد ما كانوا يعتقدون.
والمسّ : الجنون ، ورجل ممسوس ، وهذا أيضا من زعماتهم وأنّ الجنّي يمسّه فيختلط عقله ، وكذلك جنّ الرجل ، ضربته الجنّ. ورأيتهم لهم في الجنّ قصص وأخبار وعجائب. وإنكار ذلك عندهم كإنكار المشاهدات». (٤)
يقول الاستاذ خلف الله : يجري القرآن على هذا المذهب الأدبي في محاولته هدم عقيدة المشركين السابقة ، وقد كانت تعتبر العقبة الاولى في سبيل الدعوة الإسلاميّة لما فيه من إتاحة الفرصة للمشركين بأن يدّعوا أنّ محمّدا من الكهّان وأنّ الذي يطلعه على الغيب هم الشياطين وليس وحي السماء.
حارب القرآن هذه الفكرة وحاربها تدريجيّا وبأساليب مختلفة. فالجنّ كانت تقعد مقاعد للسمع. ولكن الكواكب أصبحت رجوما والشهب أصبحت رواصد (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً). (٥) والجنّ تخطف الخطفة حتّى بعد رسالة محمّد صلىاللهعليهوآله وحتّى بعد أن حدثت المعجزة ومنعت الجنّ من الاستراق. (إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ. وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ. لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ
__________________
(١) يوسف ١٢ : ٣١.
(٢) التفسير الكبير ، ج ٢٦ ، ص ١٤٢.
(٣) البقرة ٢ : ٢٧٥.
(٤) الكشاف ، ج ١ ، ص ٣٢٠.
(٥) الجنّ ٧٢ : ٩.
