جهولا. (١)
وهذا تمثيل لعرض الاستعدادات. كان الإنسان أكثر استعدادا وأقوى قابليّة لحمل الأمانة ، وهي ودائع الله أودعها الإنسان لقابليّته الذاتيّة. والتي هي عبارة عن العقل والقدرة الهيمنة والإبداع ، وحتّى يكون خليفة الله في الأرض. استحقّ الشموخ إلى هذا المقام الرفيع ، بفضل قابليّته الفائقة ، غير أنّه جهول بشأن نفسه ظلوم لا يعرف قدر نفسه. (٢)
فهذا ترسيم رائع للقابليّات واستجلاء أرقاها وأقومها ، وهو أمر واقع وليس محض خيال.
وحديث «أخذ الميثاق» : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا. أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ)(٣) حكاية حال واقعة ... بيانا لفطرة الإنسان على التوحيد :
الإنسان ، في جبلّته مفطور على الإقرار بالتوحيد. كما في الحديث المستفيض عن النبي صلىاللهعليهوآله : «كلّ مولود يولد على الفطرة ...». (٤) وهو المعني أيضا بقوله تعالى : (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها). (٥) وهكذا قوله تعالى : (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ). (٦) إشارة إلى العهد المودع في فطرة الإنسان. وكلّ إنسان إذا راجع ضميره وجد هذا العهد جليّا بأسطره الواضحة. ومن ثمّ صرّح الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام أنّ الأنبياء إنّما بعثوا ليثيروا دفائن العقول ، (٧) فدلائل التوحيد لائحة في عقول بني الإنسان لو لا تراكم الغبار عليه. وهكذا كانت العقول حجج الله الباطنة ، وكان الأنبياء الحجج الظاهرة جاءوا لدعم العقول. (٨) قال
__________________
(١) من الآية ٧٢ من سورة الأحزاب ٣٣.
(٢) راجع : تفسير الصافي للمحقّق الفيض الكاشاني ، ج ٢ ، ص ٣٦٩ ـ ٣٧١ ؛ والميزان في تفسير القرآن ، ج ١٦ ، ص ٣٧١ ـ ٣٧٢ ؛ وللعلّامة جار الله الزمخشري تحقيق أنيق في هذا المجال. راجع : الكشّاف ، ج ٣ ، ص ٥٦٥.
(٣) الأعراف ٧ : ١٧٢.
(٤) بحار الأنوار ، ج ٣ ، ص ٢٨١ ، رقم ٢٢ ، عن غوالي اللئالي ، ج ١ ، ص ٣٥ ، رقم ١٨.
(٥) الروم ٣٠ : ٣٠.
(٦) يس ٣٦ : ٦٠ ـ ٦١.
(٧) في اولى خطبة من نهج البلاغة.
(٨) راجع : الكافي ، ج ١ ، ص ١٦ حديث هشام.
